محمد ابوصقر
02-03-2006, 01:22 مساء
إن الحضارة لا تتأتى لأحد إلا عن طريق اللغة.. فالحضارة في نوع من التعريف الموجز هي اللغة، وعن طريق اللغة يكون التفكير كله، ويكون التفاهم كله، ويكون التواصل كله، ويكون التفاعل بين العقول والأفكار. فاللغة هي أضخم عملية حضارية.. تنشئ الحضارة وتتمثلها وتعبر عنها، وهي ذات رصيد حضاري لا حدود له.. ولهذا فإن نمو لغتنا وازدهارها وقيامها بدورها الفكري هو مَعْلَمٌ بارز من معالم حياتنا الحاضرة، وطريق من طرق بناء المستقبل.
لكن هذه اللغة ليست ماضياً حضارياً قائماً على السلامة والأمن.. وإنما تعرضت خلال القرون الأخيرة إلى كثير من الغزو والتحطيم، أراد لها أعداؤها أن تنكمش وتتقلص، وساعدوا على هذا الانكماش والتقلص وألجؤوها إلى آفاق ضيقة بعد آفاقها العريضة وابتلوها بأنواع المحن ووجهوا إليها كثيراً من التهم.. وكأن التقدم الحضاري الغربي الباهر قد غش الأبصار وعقد الألسنة.. وجاءتنا القوى الغاشمة النازية وهي تؤمن أن فصم هذا النسيج اللغوي الذي يؤلف النسيج الفكري هو طريق التغلب والانتصار.
فاللغة العربية إذن ليست في وضع أمني سليم يساعدها على التطور الحقيقي في ملاحقة الحضارة واحتوائها.. إنها في حالة حرب.. الدفاع عن الذات يشغلها: دفاعها أمام الغزاة من الخارج وأمام الضعفاء من الداخل.. وهي حالة من حالات الاستنزاف يجب أن نتجاوزها حتى تلتقي قدراتنا اللغوية كاملة على العمل لنصرة العربية بعيداً عن كل جدل نظري أو نقاش لا طائل تحته.. بعد أن استقر في الذهن اللغوي البشري أن لغة الأمة ذاتها هي أقصر الطرق إلى تقبل المعرفة والعلم والحضارة..
وقد نشأ عن حرب الاستنزاف هذه أجيال أسهمت في هذا التشتت اللغوي، فإذا نحن فرق ومزق تختلف فيها الرايات والأعلام.. فلغة غريبة منتشرة هنا.. ولغة أخرى منتشرة أو غالبة هناك!.. فلم يتحقق لهذه الأجيال أصالة اللغة العربية، ولا وحدة اللغة الأجنبية.. وانقطع القرين عن القرين.. ونشأت في الوطن العربي بابل جديدة، ولكنها ليست بابل العرب.. وإنما هي بابل الغرب في أرض العرب نفسها.
وهكذا نجد اللغة العربية أمام دوافع ومثبطات.. أمام طموحات كبيرة وواقع ضعيف أمام الماضي والمستقبل.. أمام العرب أنفسهم، وأمام العرب من جهة وغيرهم من جهة أخرى، وهو وضع يقتضي أن يُعترض وأن يُعالج.. وأن تقال فيه الكلمة الحق الفاعلة.. أن نؤمن بوضوح وبدون أي تردد بمكانة اللغة العربية في حياة العرب أنفسهم، وأنها بالنسبة إليهم الرابط الذي بقي لهم بعد أن خسروا أكثر المعارك مع الأسف!! كان لا بد من هذه المقدمة السريعة لندخل منها إلى صلب الموضوع ألا وهو التحديات التي تواجه لغتنا في هذا العصر وهي ثلاثة: التحدي الثقافي والتحدي القومي والتحدي الاجتماعي، ليكون هذا الحديث تمهيداً للحديث عن تحدي الدعوات المشبوهة وتفنيد مزاعمها وكشف منازعها.
أولاً: التحدي الثقافي:
فما طبيعة التحدي الثقافي أو الفكري الذي نعانيه اليوم؟ وما موقف اللغة العربية؟ إن ثقافتنا اليوم نوعان: نوع يستوحي التراث، ويبدع من وحيه، ونوع نستورده من الخارج، ولا شك أننا في حاجة إلى النوعين كليهما.
أما الأول فيشمل العلوم النظرية، من لغوية وتاريخية وجغرافية وفلسفية. وأما الثاني فيشتمل العلوم التجريبية أكبر ساحاته، ولكنه لا يخلو من دراسات فكرية نظرية فيها الفلسفة والقانون والاقتصاد والمنطق الرياضي.
واللغة العربية هي الوسيلة الأولى لنقل هذه العلوم إلى الفكر العربي، فهل هي قادرة على ذلك؟
أما العلوم النظرية المستوحاة من التراث فهي ولا شك جزء منها، لأنها الوعاء اللغوي للفكر العربي القديم، وثقافاته المتنوعة المتعددة.
أما العلوم النظرية الغربية كنظريات المنطق والأدب والاقتصاد والفلسفة، فقد أظهرت في نقلها العربية قدرتها على الاستيعاب، وطواعيتها لأدق النظريات، ولكن المشكلة إنما تكمن في نقل العلوم التجريبية كالطبيعية والفيزيائية والإلكترونية، أو قل إنها تكمن في تعريب هذه العلوم.
غير أن الأمر في اعتقادي لا يدعونا إلى بحث المسألة من جانبها اللغوي، بل يلح علينا أن نتناولها من جانبها الفكري، إذ لا يمكن أن نحاسب اللغة على تخلفها، وندع الفكر غارقاً في جهله إلى أذنيه، فهذه العلوم –كما قلنا قبل قليل- مما نستورده لا مما نبدعه فهي تأتينا بقوالب لغوية تمثل فكر المخترع، وتعبر عن مناهجه وأنماطه وتفوقه الحضاري، فإذا أردنا تعريبها وجب على فكرنا أن يعاني مخاضاً أو أن يجدد نفسه، وحينئذ تصير هذه العلوم جزءاً منه، حتى إذا بلغ هذه المرحلة جاء دور اللغة، لأنها تتجدد بتجدده، وسيجد بين يديه لغة ثرية المعجم، غنية الظواهر، لأنها ميراث الفكر العربي. وسيجد فيها من القدرة على استيعاب العلوم الجديدة، والتعبير عن جزئياتها ما يغنيه عن المصطلحات الأجنبية، وعن اللغة التي حملتها إليه.
ولكن الذي يحصل غير هذا، فنحن اليوم نعيش في عصر يذهلنا تطوره السريع، ولا سيما تطور العلوم التي تعتمدها التكنولوجيا الحديثة، وهذا وحده يجعل الفكر العربي في مطاردة دائبة للفكر الغربي، فما إن يتمثل العلوم الوافدة، ويحس في نفسه القدرة على تعريبها، حتى تكون قد تطورت وتقدمت، ويصبح ما يعرفه عنها قديماً، كالشجرة الخالية من الثمر، فإذا أقبل عليها وجد لغة جديدة، ومصطلحات جديدة، وحينئذ لا يجد بداً من مرحلة زمنية أخرى لاستيعاب الجديد وتمثله.
وهكذا يجد نفسه في النهاية أمام مطاردة لا تنتهي بسبب تجدد الفكر العالمي وتجدد لغته، وهذه المطاردة الفكرية لا تعانيها الأمم الراقية، لأنها تشارك في عملية الإبداع، ولا يقتصر موقفها الفكري على الأخذ فقط.
إن المشكلة في أساسها إذن مشكلة الفكر لا مشكلة اللغة، وأية لغة يمكن أن تنقل إلى فكر أصحابها ما لا وجود لـه في محيطه؟ ولكن أما لهذا الليل من آخر؟
الحق أن المحاولات الفردية تبقى أسيرة الضمور، ولا بد من مجابهة جماعية لهذه المشكلة، وهي –لعمري- ذات جذور متشعبة تمتد في حياتنا وحياة أطفالنا، وتعشش في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، فالتلميذ في مدارسنا الابتدائية مثلاً لا يأخذ نصيبه السليم من الزاد الفكري المطلوب، فمن إحصاء قام به مكتب تنسيق التعريب في الرباط يتبين لنا أن مستوى إدراك الطفل العربي يقل عن مستوى زميله الأوربي بمقدار النصف، لأن مجموع مدركاته لا يتجاوز ثماني مئة مدرك، على حين يتوفر للتلميذ الأوربي خمس مئة وألف مدرك.
وإذا تجاوزنا المدارس إلى محيطنا العام، بدا لنا ما نعانيه من فقر فكري هو المسؤول الأول عن تراجع اللغة العربية، فنحن اليوم نترجم العلوم حقاً، ونقلها إلى لغتنا، ولكن حركة الترجمة عندنا بطيئة جداً إذا هي قيست إلى التطور السريع الذي يحيط بالعلوم والفنون، ومن أجل ذلك يبقى الفكر في مطاردته الدائبة، وتبقى اللغة في افتقار إلى المصطلحات العلمية، ويكفي أن نعرف "أن الحضارة العلمية تقذف في كل يوم بما يتراوح بين خمسين ومئة مصطلح جديد أو أكثر إلى ساحة التداول العلمي".
وإذن، فإن اللغة العربية ستظل قاصرة قصور الفكر العربي، ولكنها ستتحول معه إن تحول من مرحلة استيراد هذه العلوم إلى مرحلة الاكتشاف والاختراع، وإنها اليوم واصلة إلى الحدود الفكرية التي وصل إليها الفكر العربي، فقد استطاعت أن تحيط بالفلسفات النظرية الأوروبية ترجمة وتعبيراً، كما استطاعت أن تكون اللغة الأدبية التي استوعبت شوامخ الفكر الأوربي، أمّا أنها مقصرة في المجال العلمي الصرف، فهذا راجع حتماً إلى تقصير الفكر العربي في هذا المجال.
ولا أريد أن أتهم متكلميها العلماء بالتقصير، فهم منذ نيف وسبعين عاماً يدأبون على تعريب بعض العلوم، ووضع المصطلحات الطبية والنباتية والفيزيائية، حتى باتت المعاجم اللغوية لكل علم من هذه العلوم منتشرة بين الباحثين في الأوساط العلمية.
وليس هذا فحسب، بل إن العلماء الغربيين الذين استدعوا لإلقاء محاضرات في بعض الجامعات العربية، كانوا يلقونها بلغاتهم الأصلية، ولكنها كانت تترجم للطلاب فوراً في قاعة الدرس "ولم يفكر أعضاء البعثات العلمية الأولى من العرب الذين أوفدوا إلى فرنسة لدراسة العلوم الحديثة عند عودتهم إلى بلادهم في أن يلقوا محاضراتهم ودروسهم على طلاب المعاهد العربية بلغة أجنبية، بل قدموا إلى مكتبتنا العربية رصيداً ذا بال في معرباتهم ومؤلفاتهم".
وعلى الرغم من هذا فما نزال مقصرين، وما تزال لغتنا تنتظر فكراً يزرع فيها نسغاً جديداً حتى يثمر ويؤتي أكله، ولكن هل هي قادرة على تحمل النسغ؟ وهل فيها من الطواعية والاستجابة ما يؤهلها للنمو والحياة الجديدة؟
أعتقد أن الجواب عن هذا يحتاج إلى معيار سليم للغة الحية، فما هو؟ أهو معيار ينظر في طبيعة اللغة وجوهرها، أم نراه يهتم بغنى اللغة الخارجي دون النظر إلى قدرتها الداخلية على التفاعل مع نمو الفكر، وتطور الحياة؟
الحق أن حياة اللغة هو مقدار ما تملكه من عناصر الحياة، أعني أن يكون لها من مميزاتها وطبيعتها ما يضمن لها البقاء والاستمرار، كأن تكون اللغة متصرفة، ذات وسائل تعبيرية طيعة، ولها من تاريخها تجاربُ أمدتها بغنى المفردات، وثراء التعابير.
وحين نحكم على لغتنا العربية بهذا المعيار نجدها لغة حية قادرة على البقاء وعلى استيعاب (المعاصرة) استيعاباً صحيحاً، فهي –كما يعرف الناس- لغة متصرفة في بناء مفرداتها وفي بناء تراكيبها، وهي أكثر لغات العالم طواعية للاشتقاق. كما أن وسائلها التعبيرية لا ترتكز على ظاهرتي اللصق والتركيب، كما هي الحال في اللغتين الفرنسية والإنكليزية، بل تجمع إلى هاتين الظاهرتين وسائل أخرى، فهي تعبر عن المعاني بالصيغ، وبالتركيب، وباللصق، والإعراب. ولجملتها من المرونة ما يجعلها قادرة على نقل أدق المعاني، والإشارة اللطيفة إلى ما استتر من دقيق الأفكار الجزئية.
ولا تقتصر حيوية العربية على ميزة التصرف والاشتقاق، بل هناك غنى من نوع آخر، هو ما تتميز به من العبارات المجازية المصورة التي جسدت خيال العربي وخلدته. وهذه الخصائص الداخلية تحتاج إلى فكر جديد يجدد في صيغتها وفي وسائلها التعبيرية، وتحتاج إلى محيط ثقافي قادر على إثارة النفس والفكر، ليبحثا عن أبجدية جديدة في لغة العرب من شأنها أن تكوّن تعبيراً جديداً يضاف إلى التراث، ويكون وسيلة إثارة من جديد، فيهيء للإبداع فالتعبير.
لندع إذن إلى تجديد الفكر لا إلى تجديد اللغة، لأن اللغة لا يمكن أن تتجدد والفكر مهترئ من القدم، ولكنها تشبه التابع الذي يتحدث عنه علماء الرياضيات، لأنها في الواقع تابع للفكر تتجدد بتجدده، وتثرى بثرائه، وكذلك تنحدر بانحداره.
وإلى جانب هذا يستطيع العرب –إذا أرادوا خدمة الفكر واللغة- أن يفيدوا من طبيعة لغتهم، فمن طريق الاشتقاق والنحت وبناء الصيغ يستطيعون أن يوجدوا آلاف الكلمات والمصطلحات، ولا بد لهم في عملهم هذا من التعريب بمعناه اللغوي، وأعني به أن يقتبسوا من اللغات الأخرى ما لا يمكن نبشه أو اشتقاقه أو نحته من لغتهم العربية، ولهم بالقدماء أسوة.
ولقد مثلت العربية في تلك الأزمنة ما تمثله اليوم اللغتان: الإنكليزية والفرنسية من سيطرة على الفكر العالمي، فقد ظلت مصدر الغربيين في المصطلحات العلمية، إذ أخذوا منها الكحول والجبر، ومعظم أسماء الرياحين والأزهار، ومعظم المصطلحات الطبية ومعظم أسماء النبات كالياسمين والقطن إلى جانب الرَّي والفلاحة.
وقد استمدت إسبانية وبواسطتها أمريكة اللاتينية من اللغة العربية الشيء الكثير من مقوماتها اللغوية ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً.
وليس هذا فحسب بل إنها أمدت الفكر الأوربي بالمنهاج العلمي. يقول المستشرق ماسينيون: "إن المنهاج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية، ومن خلال العربية انطلق في الحضارة الأوروبية" ويقول: "إن العربية استطاعت بقيمتها الجدلية والنفسية والصوفية أن تضفي سربال الفتوة على التفكير الغربي".
ومن هنا كانت سيطرتها على الفكر الأوربي مدعومة بالثقافة وجمال العبارة وراجعة في أصولها الأولى إلى ضعف أوربة يومئذ، فالنقص الفكري في أمة من الأمم يؤدي إلى الإعجاب بفكر أمة أخرى احتكت بها، أو غلبتها على أمرها، وهذا يؤدي إلى أن تكون نظرتها إلى لغة هذه الأمة نظرة إكبار وإعجاب، ويقودها هذا إلى الموازنة بين لغتها القومية ولغة الأمة الفتية الفكر.
لقد حدث هذا في الماضي في إسبانية، ويحدث اليوم مثله في الوطن العربي فلقد أخذ المثقفون الأندلسيون وأرباب الفطنة منهم يحتقرون اللغة اللاتينية، ويكتبون باللغة العربية دون غيرها، بعد أن سحرهم رنين أدبها الحي، وأخذوا يحتقرون تراث قومهم، ولا يجدون فيه شيئاً جديراً بالاهتمام، قال بعض الغيورين آنذاك: "يا للأسى، إن المسيحيين قد نسو لغتهم، فلن تجد فيهم اليوم واحداً في كل ألف يكتب بها خطاباً إلى صديق، أما لغة العرب فما أكثر الذين يحسنون التعبير بها على أحسن أسلوب".
وما أكثر الكتب العربية التي غزت أوربة وعلمتها ودربتها على البحث والتجربة. ففي الطب عرفت أوربة كتاب القانون لابن سينا، وكتاب الحاوي لأبي بكر الرازي، ومفردات ابن البيطار في الأدوية. وفي الكيمياء عرفت أوربة رسائل جابر بن حيان، وفي الرياضيات عرفت كتاب الخوارزمي، حساب الجبر والمقابلة" وفي الجغرافية عرفت كتاب "نزهة المشتاق لاختراق الآفاق للشريف الإدريسي".
من هذا كله يتبين أن الوسيلة لنهضة لغوية في تعريب العلوم متيسرة، بل إنها اليوم قائمة ولكنها بطيئة، ولعلها لم تبلغ آذان الشباب الذين يتربعون على منابر الصحف والمجلات ويدعون في اللغة وتجديدها دعوات هي إلى النزق والطيش أقرب منها إلى الإصلاح والتقدم.
ثانياً: التحدي القومي:
وإذا تركنا التحدي الثقافي، واجهنا تحدياً من نوع آخر، هو التحدي القومي، فالأقطار العربية منذ بزوغ عصر النهضة حتى يومنا هذا تعاني وضعين متناقضين: وضعاً يشدها إلى الوحدة والتجمع، ووضعاً يحاول تشتيتها وتمزيق ما بقي لها من وشائج الاتصال والقربى..
ولعل أول مشكلة لغوية تصادفنا في التحدي القومي هي اتصال الأقطار العربية المتباينة بلغات أجنبية شتى. فالثقافة الإنكليزية تغزو منذ مطلع عصر النهضة مصر والعراق وجنوبي بلاد الشام. على حين تستقر الثقافة الفرنسية في شمال بلاد الشام والمغرب العربي الكبير، ولعل اللغة التركية لم تغن أشباحها بعد، ولا سيما في التخوم المجاورة لحدودها.
وإذا كانت جيوش الاستعمار قد خرجت من هذه الأقطار فإن رواسب لغته وثقافته لم تخرج بعد. فلقد كان لها في حياتنا الفكرية وجهان يختلفان في التأثير.
أما الوجه الأول: فقد أيقظ فينا النظر إلى تراثنا ومواجهته بفكر جديد وموضوعية ناقدة، أما الوجه الثاني فقد كان مشككاً في قيمنا وفي تراثنا وفي إبداعنا بل في لغتنا بنفسها.
فمن البديهي أن يدرك الاستعمار أثر اللغة العربية في لمّ شتات هذه الجماهير المتناثرة في بقعة واسعة من الأرض تمتد من الخليج إلى المحيط، ومن البديهي أيضاً أن يدرك ما تفعله اللغة في توحيد الفكر والوعي والنفس، ولا بد لـه –وهو الطامع فينا- أن يكون لـه مناهجه المخططة في وأد هذه اللغة الموحدة، وزرع الأفيون في تربة النفوس الشابة، حتى إذا بلغت من النضج مبلغه كان للمخدر الفكري من الأثر للخنجر المسموم.
وعلى هَدْي هذه المعرفة الواعية حمل الاستعمار معه عُدة التخريب اللغوي مثلما حمل معه عدة التخريب المادي، فإذا باللورد كرومر في مصر يضع خطة تعليمية تستهدف إبعاد العربية عن ميدان التعليم، ويستبدل بها لغة قومه، لكنه لم يقف عند هذا الحد بل هيأ المجال لرجال آخرين ليحملوا معاول الهدم، فكانت هناك الدعوة إلى اللغة العامية واستبدالها باللغة الفصيحة، وكانت أيضاً هجمات ظاهرة الهدف تصور العربية لغة البداوة العاجزة عن استيعاب الحضارة والتقدم، وكانت.. وكانت.. وكلها تدل على محاولة جادة وهدف بعيد.
كان هذا في مطلع عصر النهضة، ولكن ما إن سار الزمن في قرنه العشرين بضع خطوات حتى أخذ التعليم ينحدر في الوطن العربي كله، وكان نصيب العربية من هذا الانحدار وافراً، فإذا المتعلمون في المرحلة الثانوية أعاجم، أو عجماوات، وإذا المتخرجون من الجامعات صم بكم، يعد فيهم عالماً من يعرف قواعد كتابة الهمزة، أو مواقع الفاعل والمفعول!!
وأعتقد اعتقاداً جازماً أننا قادرون على نهضة لغوية لو كنا نريد، ولو حاولنا أن نحس بالخطر، وأن نشعر بالتبعة والمسؤولية، فلماذا لا نعنى العناية الكافية بتعليم هذه اللغة تعليماً سليماً في المرحلة الابتدائية؟ ولماذا لا نعد معلم هذه المرحلة إعداداً لغوياً صحيحاً؟ ولماذا لا نقيم لـه الدورات التدريبية في العطل؟ ولماذا لا نوجد لديه وعياً لغوياً بحيث يصبح عمله رسالة قومية؟
ثم ما بالنا نبث البرامج اللغوية في أجهزة الإعلام أسوة باللغات الأخرى؟ ولماذا لا نزود المذيعين بثقافة عالية، وحينئذ يصبحون قادرين على نشر اللغة الصحيحة السليمة بدلاً من أن ينشروا الأغلاط وينثروها في آذان الناس وعقولهم، ولماذا لا نختار محرري الصحف ممن أتقنوا لغتهم إتقاناً كاملاً، ألم تكن الصحافة في بداية عصر النهضة وسيلة لتطوير الأساليب النثرية في الوطن العربي؟ فما بالها اليوم تطور هذه الأساليب تطويراً رجعياً إلى عصر الأتراك والمماليك؟
قد يقولون إن العربية بالغة الصعوبة.. ونقول: إنها لكذلك، ولكن متى كانت صعوبة اللغة القومية تحول بينها وبين أبنائها؟!
ولو كانت صعوبة اللغة مما يقعد بأبنائها عن تعلمها وإتقانها لوجب أن يترك الألمان والصين واليابان لغاتهم لأنها صعبة أيضاً؟!
ولا مانع عندي من أن نحتج بصنيع عدونا إسرائيل، فاليهود أحيوا اللغة العبرية بعد أن كادت تموت، وجعلوها لغتهم الرسمية، وهي في صعوبتها لا تختلف عن العربية.. فما بالنا نميت لغتنا القومية وهي التي قاومت الموت؟!
إن معظم الذين بحثوا عن صعوبات اللغة يضعون نصب أعينهم وفي أدلتهم ألفية ابن مالك وشروحها النحوية، وهم لعمري لا يفرقون بين مياه البحر ورمال الشاطئ فأين نحن الآن من هذه المتون الصعبة؟ وهل في الوطن العربي كله مدرسة واحدة تعلم النحو على طريقة الألفية؟ أما في الجامعات فيختلف الأمر، لأن تعليم المختصين غير تعليم المبتدئين، فلا بد لهؤلاء من أن يؤخذوا بتاريخ المادة، وإلا فكيف ينبغ النابغون؟!
ونحن بعد هذا كله مطالبون قومياً وفكرياً وعلمياً بنشر اللغة العربية، والنهضة بها وجعلها لغة هذا الجيل الذي سيستلم زمام القيادة الفكرية والعلمية، وإن لم نفعل ذلك فإن قادة الفكر في المستقبل القريب سيكونون كافرين بأعظم عامل من عوامل الربط والوحدة الفكرية.. ألا وهو اللغة!!
ولقد كثرت الأقاويل حول صعوبة قواعد اللغة العربية واستحالة الإحاطة بها وللإنصاف والعدل نقول: يمكن أن تعد اللغة العربية الفصحى من أسهل اللغات تعلماً، إنما يلزم لذلك حفظ كل القواعد وتطبيقها.. وهذا أهون من حفظ كل كلمة، وكيف تكتب؟ وكل كلمة وكيف تنطق؟ وكل فعل من الأفعال الشاذة الكثيرة وكيف تصرف.. وفي حفظ كل قواعد الإعراب، وكيف تعرب الألفاظ الشاذة في اللغات التي تستعمل الإعراب، أي تغير أواخر الكلم حسب العامل كاللغات السلافية والجرامية وغيرها.
ولأستاذنا الدكتور عبد الكريم اليافي رأي صريح في هذا الشأن إذ يقول:
"وأحب أن أبدي رأيي في مجال تعليم اللغة العربية وهو أن محاولة تيسير قواعدها وتسهيل أصولها من نحو وصرف، محاولة مخفقة لأنها تؤدي إلى التردي والتراخي والتفاهة والركاكة، نحن نؤثر الصعوبة لأنها تشحذ العزائم وتشد الانتباه" ولا بد في ذلك من اعتماد التراث العربي الأصيل..
إن الإنكليز ما زالوا متشبثين بشعر شكسبير مع أن لغتهم الدارجة تختلف عن لغته.. وإن الفرنسيين ما زالوا متمسكين بقراءة كورني وراسين وموليير مع أن تراكيب لغتهم العصرية قد تغيرت، وذلك كله حفاظاً على خصائص اللغة ما أمكن، وعلى نماذج البيان الأصيلة، وعلى تراكيب التعبير السليمة المفيدة.. فلا حاجة مثلاً لأن نكتب لأطفالنا الصغار في كتب القراءة الابتدائية زرع فريد فولاً، وقطف ملفوفاً.. إن ذلك يزرع التفاهة ويقطف الركاكة ويُعتاد فيه الكسل والتراخي.. أتذكر أنا كنا في الصف الرابع الابتدائي نعتمد كتاب (أدب الدنيا والدين) للماوردي للقراءة.. وما أظن متخرجاً في كلية الآداب الآن يستطيع أن يقرأ بسهولة هذا الكتاب!!
ثالثاً: التحدي الاجتماعي:
إلى جانب هذين الضربين من التحدي يصادفنا تحد من نوع آخر، هو التحدي الاجتماعي، فالمجتمع العربي اليوم يعاني ألواناً من التباين والتغاير في المستوى الثقافي وفي تعدد اللهجات واختلافها، وهذا يعني أن هناك تبايناً فكرياً يؤدي إلى مشكلة لغوية.
علماً أن ازدواجية اللغة (العامية والفصحى) ليس وقفاً على العربية، بل إن هذه المسألة مطروحة على اللغات الأخرى ومنها الفرنسية.. وقد يصعب على الإنكليزي المثقف أن يتفاهم مع رواد الحانات والأوساط الشعبية، ففي لهجتهم لكنة، ومثلها الألمانية والإيطالية والإسبانية.. إلخ.
فلم تستطع العربية الفصحى أن توقف تيار العامية الجارف كما لم تستطع قواعدها أن تسيطر على ألسنة الناس، فاستمر التحرر والتفلُّت من قواعد الإعراب!
ثم إن الثقافة في الأقطار العربية الإفريقية -عدا مصر- تختلف اختلافاً واضحاً عن الثقافة التي عليها الناس في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.
وليس هذا فحسب، بل هناك تباين ثقافي في القطر الواحد، فعلى حين ترى طبقة مثقفة تجد بجانبها طبقة أخرى لاحظ لها من الثقافة.. أضف إلى ذلك أن المثقفين أنفسهم يختلفون في مصادرهم الثقافية بين إنكليزية وفرنسية وروسية.. إلخ وهذا قائم في جميع الأقطار العربية تقريباً.
ولا شك أن اللغة تتأثر بهذا الوضع المضطرب لأنها كما قلنا من قبل ترتبط بالفكر ارتباطاً عضوياً، ومن غير المعقول أن تكون هناك رؤية لغوية متجانسة إذا خلت الساحة من رؤية فكرية متجانسة، ومع هذا كله نجد بعض المثقفين يتهمون اللغة العربية وينالون من قدرتها وحيويتها، وواضح مما قدمت أن العلة فينا نحن لا في اللغة نفسها.. والمشكلة الأساسية في الموضوع أن جانباً كبيراً من الفكر العربي تغذيه لغة أخرى ذات أنماط تعبيرية مختلفة..
ما العلاج؟
تلك هي التحديات فما العلاج؟.. إن الإحساس بهذه المشكلة يرجع إلى زمن غير قصير، ومن أجل ذلك توالت الدعوات إلى الإصلاح والتغيير، ولكنها انطلقت جميعاً –كما يبدو- من اتهام اللغة لا من اتهام الوضع الفكري والاجتماعي.
ومما يلفت النظر في أمر هذه الدعوات أنها بدأت في مصر ولبنان خاصة، وتفسير ذلك أن هذين القطرين كانا أقرب أقطار العرب إلى الغزو الفكري، بل كانا أكثرها انغماساً فيه، وتأثراً به.
وقد سارت هذه الدعوات في مسالك متعددة، فهي حيناً دعوة إلى هجر اللغة الفصيحة، وحيناً آخر دعوة إلى جعل اللهجة العامية لغة رسمية، أو لغة العلم والأدب. وهي طوراً دعوة إلى لغة أجنبية تستعمل في مرافق الحياة العلمية، وحصر العربية في الزوايا والتكايا والكتاتيب، وفي بعض الأحيان نراها دعوة إلى طرح الرسم العربي للكلمات واتخاذ الرسم اللاتيني بديلاً عنه، كما صنعت تركيا.
وراح هؤلاء أو بعضهم يقرنون العربية إلى اللغات القديمة المنقرضة كاللاتينية، واليونانية، والقبطية، ويرون موت لغتنا القومية محتماً لا مفر منه ولا سبيل إلى وقف أسبابه ودواعيه!!
هذه هي أقوال الخصوم وادعاءتهم.. فماذا علينا أن نفعل؟
إذن أمام العربية في تحركها المأمول، وفي دنيا التواصل الحضاري العالمي المرتقب خلال القرن الجديد آفاق مديدة جديدة تجتذبها وتستدعيها.. إنها ليست جديدة الجد كلها، وليست أنُفاً، وإنما هي مطروقة مذللة، لأنها آفاق حضارة عاشت من قبل دهراً طويلاً.. كل الذي نحتاج إليه أن نُدَمِّث طرقها ونلين عقباتها، وننقي من وعرتها، وأن تثار الدوافع النفسية العميقة لها.
ومن هنا تتمثل الحاجة الشديدة إلى معرفة أوضاع اللغة العربية وقضاياها المعاصرة التي تلح عليها، ومشكلاتها التي تعانيها، وإلى الطب لهذه الأوضاع ودراسة هذه القضايا. فما هي أبرز المشكلات وما هي الطرق إلى حلها؟
وسنرى أن بعض هذه المشكلات والقضايا مما فرضته الحياة المعاصرة نتيجة لاتصال الشعوب، وبعضها مما تفرضه طبيعة اللغة في البلدان العربية وبعضها جاء نتيجة للتخلف الذي أصاب العربية فقطعها عن مواكبة التقدم.
إننا نستطيع في نظرة فاحصة أن نحدد الموضوعات التي تجب معالجتها في عنوانين كبيرين: 1-حماية اللغة العربية. 2-نشر اللغة العربية. ثم يتلو هذين عنوان ثالث باسم الوسائل، وهو يتضمن الوسائل التي تشترك بين هدفي حماية اللغة ونشر اللغة.
ولكن يجب أن يسبق ذلك كله معرفة دقيقة بهذه العربية التي نتحدث عنها ونسبر قضاياها ومشكلاتها، فهذه اللغة قديمة ونحن نعرفها من جانب نظري من خلال ما كان من بحوث اللغويين العرب القدامى عنها، ولا بد لنا من معرفة جديدة بها وتعانق مع خصائص من خلال البحوث اللغوية التي داخلت علم اللغة، فإن دراسة اللغة اليوم لم تعد دراسة نظرية فحسب تحفظ فيها المتون، وتستظهر القواعد، بل صارت علماً تجريبياً داخل المخابر، فيستخدم فيها الآلات الحديثة، وتدرس فيها الأصوات دراسة آلية دقيقة، ونحن حتى الآن لا تعرف أقطارنا العربية معهداً يدرس العربية على هذه الصورة الحضارية إلا معهد اللسانيات الذي أقيم في الجزائر.
وليس هذا فحسب، بل هناك شيء آخر هو أن دراسة العربية عندنا مقصورة على اللغويين وحدهم، وعلى حين صارت في البلاد المتقدمة مشاعاً بين علماء النفس، وعلماء الاجتماع وعلماء اللغة.. كل فريق من هؤلاء يقوم بدراسات ذات صلة باختصاصه وهذا يؤدي إلى فهم طبيعة اللغة فهماً أكثر شمولاً، فلا يبقى الأمر عند حدود فهم قوانينها ومعرفة قواعدها بل يتعداها إلى دراسة الوظيفة الاجتماعية للغة وتأثيرها بها.. ويتعداه أيضاً إلى دراسة المعالم النفسية عند المتعلم.. وهذا يؤدي إلى معرفة أنجح الوسائل لخدمتها وطرائق تعليمها.
والمشكلة التي نعانيها نحن في هذه الأيام هي أن علم النفس وعلم الاجتماع مما نستورده من علوم لا مما تصنعه بيئتنا العربية.. ومن أجل ذلك يأتي المختصون عندنا لا ليبدعوا، بل ليستظهروا ما تعلموه! فأنى لهم أن يشاركوا في دراسة العربية، بل أنى لهم أن يحيطوا بها وبقوانينها، وأن يلموا بخصائصها؟!
إذن في وسعنا بعد كل هذا أن نجعل بحث قضايا اللغة العربية بالعناوين التالية:
أولاً :معرفة اللغة العربية عن طريق تجديد البحث اللغوي وإتاحة الفرصة لمخالطة الدراسات اللغوية الحديثة والإفادة من معطياتها النظرية ووسائلها العملية.
ثانياً :حماية العربية ويتناول:
آ-الصراع الداخلي بين العاميات والفصحى (ظاهرة التفتت اللغوي).
ب-الغزو اللغوي الخارجي (ظاهرة الازوداجية اللغوية).
ثالثاً :نشر العربية ويتناول:
أ-تعليم العربية للعرب.
ب-تعليم العربية لغير العرب من الشعوب الإسلامية التي تستخدم الحرف العربي والتي لا تستخدمه، والشعوب الأجنبية.
ج-التعليم الجامعي واللغة العربية (قضية المصطلح العلمي).
رابعاً :بعض الوسائل ويتناول:
آ-الطباعة العربية.
ب-المعجم العربي.
ج-وسائل الإعلام واللغة العربية.
ولا يتطلب أحد من هذا التقسيم أن يكون دقيقاً على نحو لا يسمح بشيء من تعديل بسيط في الموضوعات أو في تتابعها.. إن البحث اللغوي في الأصل وحدة كاملة متداخلة.. لا يقبل الفصل بين أجزائه إلا على نحو من التسهيل أو التقريب أو توزيع الجهد.. وهو بذلك يمكن أن يتيح الفرصة أحياناً لكي نلمح علاقة أحد العناوين الصغيرة بأكثر من عنوان واحد كبير.. مما يدفعنا إلى التسامح في قبول هذا التقسيم رغبة في تماسك البحث، ونزولاً عند رغبة اصطناع الحدود في عمل متداخل كبير.
***
أهم مراجع ومصادر البحث
1-اللغة العربية بين القومية والعالمية /د.إبراهيم أنيس.
2-اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية /ساطع الحصري.
3-لغتنا وأمن قوميتنا /د.عبد الرحمن البزاز-مجلة (العربي).
4-لغتنا والحياة /د.عائشة عبد الرحمن.
5-اللغة العربية بين المعيارية والوصفية /د.تمام حسان.
6-عبقرية اللغة العربية /الأستاذ محمد المبارك.
7-مباحث لغوية /د.إبراهيم السامرائي.
8-اللغة العربية هويتنا القومية /د.صالح خرفي/ من قضايا اللغة العربية المعاصرة.
9-قضايا اللغة العربية المعاصرة /د.شكري فيصل/ من قضايا اللغة العربية المعاصرة.
10-تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر /د. نفّوسه زكريا/ من قضايا اللغة العربية المعاصرة.
11-مشكلة العربية فكرية قبل أن تكون لغوية /د. محمد خير حلواني.
12-مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
13-مجلة (اللسان العربي) مكتب تنسيق التعريب بالرباط.
لكن هذه اللغة ليست ماضياً حضارياً قائماً على السلامة والأمن.. وإنما تعرضت خلال القرون الأخيرة إلى كثير من الغزو والتحطيم، أراد لها أعداؤها أن تنكمش وتتقلص، وساعدوا على هذا الانكماش والتقلص وألجؤوها إلى آفاق ضيقة بعد آفاقها العريضة وابتلوها بأنواع المحن ووجهوا إليها كثيراً من التهم.. وكأن التقدم الحضاري الغربي الباهر قد غش الأبصار وعقد الألسنة.. وجاءتنا القوى الغاشمة النازية وهي تؤمن أن فصم هذا النسيج اللغوي الذي يؤلف النسيج الفكري هو طريق التغلب والانتصار.
فاللغة العربية إذن ليست في وضع أمني سليم يساعدها على التطور الحقيقي في ملاحقة الحضارة واحتوائها.. إنها في حالة حرب.. الدفاع عن الذات يشغلها: دفاعها أمام الغزاة من الخارج وأمام الضعفاء من الداخل.. وهي حالة من حالات الاستنزاف يجب أن نتجاوزها حتى تلتقي قدراتنا اللغوية كاملة على العمل لنصرة العربية بعيداً عن كل جدل نظري أو نقاش لا طائل تحته.. بعد أن استقر في الذهن اللغوي البشري أن لغة الأمة ذاتها هي أقصر الطرق إلى تقبل المعرفة والعلم والحضارة..
وقد نشأ عن حرب الاستنزاف هذه أجيال أسهمت في هذا التشتت اللغوي، فإذا نحن فرق ومزق تختلف فيها الرايات والأعلام.. فلغة غريبة منتشرة هنا.. ولغة أخرى منتشرة أو غالبة هناك!.. فلم يتحقق لهذه الأجيال أصالة اللغة العربية، ولا وحدة اللغة الأجنبية.. وانقطع القرين عن القرين.. ونشأت في الوطن العربي بابل جديدة، ولكنها ليست بابل العرب.. وإنما هي بابل الغرب في أرض العرب نفسها.
وهكذا نجد اللغة العربية أمام دوافع ومثبطات.. أمام طموحات كبيرة وواقع ضعيف أمام الماضي والمستقبل.. أمام العرب أنفسهم، وأمام العرب من جهة وغيرهم من جهة أخرى، وهو وضع يقتضي أن يُعترض وأن يُعالج.. وأن تقال فيه الكلمة الحق الفاعلة.. أن نؤمن بوضوح وبدون أي تردد بمكانة اللغة العربية في حياة العرب أنفسهم، وأنها بالنسبة إليهم الرابط الذي بقي لهم بعد أن خسروا أكثر المعارك مع الأسف!! كان لا بد من هذه المقدمة السريعة لندخل منها إلى صلب الموضوع ألا وهو التحديات التي تواجه لغتنا في هذا العصر وهي ثلاثة: التحدي الثقافي والتحدي القومي والتحدي الاجتماعي، ليكون هذا الحديث تمهيداً للحديث عن تحدي الدعوات المشبوهة وتفنيد مزاعمها وكشف منازعها.
أولاً: التحدي الثقافي:
فما طبيعة التحدي الثقافي أو الفكري الذي نعانيه اليوم؟ وما موقف اللغة العربية؟ إن ثقافتنا اليوم نوعان: نوع يستوحي التراث، ويبدع من وحيه، ونوع نستورده من الخارج، ولا شك أننا في حاجة إلى النوعين كليهما.
أما الأول فيشمل العلوم النظرية، من لغوية وتاريخية وجغرافية وفلسفية. وأما الثاني فيشتمل العلوم التجريبية أكبر ساحاته، ولكنه لا يخلو من دراسات فكرية نظرية فيها الفلسفة والقانون والاقتصاد والمنطق الرياضي.
واللغة العربية هي الوسيلة الأولى لنقل هذه العلوم إلى الفكر العربي، فهل هي قادرة على ذلك؟
أما العلوم النظرية المستوحاة من التراث فهي ولا شك جزء منها، لأنها الوعاء اللغوي للفكر العربي القديم، وثقافاته المتنوعة المتعددة.
أما العلوم النظرية الغربية كنظريات المنطق والأدب والاقتصاد والفلسفة، فقد أظهرت في نقلها العربية قدرتها على الاستيعاب، وطواعيتها لأدق النظريات، ولكن المشكلة إنما تكمن في نقل العلوم التجريبية كالطبيعية والفيزيائية والإلكترونية، أو قل إنها تكمن في تعريب هذه العلوم.
غير أن الأمر في اعتقادي لا يدعونا إلى بحث المسألة من جانبها اللغوي، بل يلح علينا أن نتناولها من جانبها الفكري، إذ لا يمكن أن نحاسب اللغة على تخلفها، وندع الفكر غارقاً في جهله إلى أذنيه، فهذه العلوم –كما قلنا قبل قليل- مما نستورده لا مما نبدعه فهي تأتينا بقوالب لغوية تمثل فكر المخترع، وتعبر عن مناهجه وأنماطه وتفوقه الحضاري، فإذا أردنا تعريبها وجب على فكرنا أن يعاني مخاضاً أو أن يجدد نفسه، وحينئذ تصير هذه العلوم جزءاً منه، حتى إذا بلغ هذه المرحلة جاء دور اللغة، لأنها تتجدد بتجدده، وسيجد بين يديه لغة ثرية المعجم، غنية الظواهر، لأنها ميراث الفكر العربي. وسيجد فيها من القدرة على استيعاب العلوم الجديدة، والتعبير عن جزئياتها ما يغنيه عن المصطلحات الأجنبية، وعن اللغة التي حملتها إليه.
ولكن الذي يحصل غير هذا، فنحن اليوم نعيش في عصر يذهلنا تطوره السريع، ولا سيما تطور العلوم التي تعتمدها التكنولوجيا الحديثة، وهذا وحده يجعل الفكر العربي في مطاردة دائبة للفكر الغربي، فما إن يتمثل العلوم الوافدة، ويحس في نفسه القدرة على تعريبها، حتى تكون قد تطورت وتقدمت، ويصبح ما يعرفه عنها قديماً، كالشجرة الخالية من الثمر، فإذا أقبل عليها وجد لغة جديدة، ومصطلحات جديدة، وحينئذ لا يجد بداً من مرحلة زمنية أخرى لاستيعاب الجديد وتمثله.
وهكذا يجد نفسه في النهاية أمام مطاردة لا تنتهي بسبب تجدد الفكر العالمي وتجدد لغته، وهذه المطاردة الفكرية لا تعانيها الأمم الراقية، لأنها تشارك في عملية الإبداع، ولا يقتصر موقفها الفكري على الأخذ فقط.
إن المشكلة في أساسها إذن مشكلة الفكر لا مشكلة اللغة، وأية لغة يمكن أن تنقل إلى فكر أصحابها ما لا وجود لـه في محيطه؟ ولكن أما لهذا الليل من آخر؟
الحق أن المحاولات الفردية تبقى أسيرة الضمور، ولا بد من مجابهة جماعية لهذه المشكلة، وهي –لعمري- ذات جذور متشعبة تمتد في حياتنا وحياة أطفالنا، وتعشش في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، فالتلميذ في مدارسنا الابتدائية مثلاً لا يأخذ نصيبه السليم من الزاد الفكري المطلوب، فمن إحصاء قام به مكتب تنسيق التعريب في الرباط يتبين لنا أن مستوى إدراك الطفل العربي يقل عن مستوى زميله الأوربي بمقدار النصف، لأن مجموع مدركاته لا يتجاوز ثماني مئة مدرك، على حين يتوفر للتلميذ الأوربي خمس مئة وألف مدرك.
وإذا تجاوزنا المدارس إلى محيطنا العام، بدا لنا ما نعانيه من فقر فكري هو المسؤول الأول عن تراجع اللغة العربية، فنحن اليوم نترجم العلوم حقاً، ونقلها إلى لغتنا، ولكن حركة الترجمة عندنا بطيئة جداً إذا هي قيست إلى التطور السريع الذي يحيط بالعلوم والفنون، ومن أجل ذلك يبقى الفكر في مطاردته الدائبة، وتبقى اللغة في افتقار إلى المصطلحات العلمية، ويكفي أن نعرف "أن الحضارة العلمية تقذف في كل يوم بما يتراوح بين خمسين ومئة مصطلح جديد أو أكثر إلى ساحة التداول العلمي".
وإذن، فإن اللغة العربية ستظل قاصرة قصور الفكر العربي، ولكنها ستتحول معه إن تحول من مرحلة استيراد هذه العلوم إلى مرحلة الاكتشاف والاختراع، وإنها اليوم واصلة إلى الحدود الفكرية التي وصل إليها الفكر العربي، فقد استطاعت أن تحيط بالفلسفات النظرية الأوروبية ترجمة وتعبيراً، كما استطاعت أن تكون اللغة الأدبية التي استوعبت شوامخ الفكر الأوربي، أمّا أنها مقصرة في المجال العلمي الصرف، فهذا راجع حتماً إلى تقصير الفكر العربي في هذا المجال.
ولا أريد أن أتهم متكلميها العلماء بالتقصير، فهم منذ نيف وسبعين عاماً يدأبون على تعريب بعض العلوم، ووضع المصطلحات الطبية والنباتية والفيزيائية، حتى باتت المعاجم اللغوية لكل علم من هذه العلوم منتشرة بين الباحثين في الأوساط العلمية.
وليس هذا فحسب، بل إن العلماء الغربيين الذين استدعوا لإلقاء محاضرات في بعض الجامعات العربية، كانوا يلقونها بلغاتهم الأصلية، ولكنها كانت تترجم للطلاب فوراً في قاعة الدرس "ولم يفكر أعضاء البعثات العلمية الأولى من العرب الذين أوفدوا إلى فرنسة لدراسة العلوم الحديثة عند عودتهم إلى بلادهم في أن يلقوا محاضراتهم ودروسهم على طلاب المعاهد العربية بلغة أجنبية، بل قدموا إلى مكتبتنا العربية رصيداً ذا بال في معرباتهم ومؤلفاتهم".
وعلى الرغم من هذا فما نزال مقصرين، وما تزال لغتنا تنتظر فكراً يزرع فيها نسغاً جديداً حتى يثمر ويؤتي أكله، ولكن هل هي قادرة على تحمل النسغ؟ وهل فيها من الطواعية والاستجابة ما يؤهلها للنمو والحياة الجديدة؟
أعتقد أن الجواب عن هذا يحتاج إلى معيار سليم للغة الحية، فما هو؟ أهو معيار ينظر في طبيعة اللغة وجوهرها، أم نراه يهتم بغنى اللغة الخارجي دون النظر إلى قدرتها الداخلية على التفاعل مع نمو الفكر، وتطور الحياة؟
الحق أن حياة اللغة هو مقدار ما تملكه من عناصر الحياة، أعني أن يكون لها من مميزاتها وطبيعتها ما يضمن لها البقاء والاستمرار، كأن تكون اللغة متصرفة، ذات وسائل تعبيرية طيعة، ولها من تاريخها تجاربُ أمدتها بغنى المفردات، وثراء التعابير.
وحين نحكم على لغتنا العربية بهذا المعيار نجدها لغة حية قادرة على البقاء وعلى استيعاب (المعاصرة) استيعاباً صحيحاً، فهي –كما يعرف الناس- لغة متصرفة في بناء مفرداتها وفي بناء تراكيبها، وهي أكثر لغات العالم طواعية للاشتقاق. كما أن وسائلها التعبيرية لا ترتكز على ظاهرتي اللصق والتركيب، كما هي الحال في اللغتين الفرنسية والإنكليزية، بل تجمع إلى هاتين الظاهرتين وسائل أخرى، فهي تعبر عن المعاني بالصيغ، وبالتركيب، وباللصق، والإعراب. ولجملتها من المرونة ما يجعلها قادرة على نقل أدق المعاني، والإشارة اللطيفة إلى ما استتر من دقيق الأفكار الجزئية.
ولا تقتصر حيوية العربية على ميزة التصرف والاشتقاق، بل هناك غنى من نوع آخر، هو ما تتميز به من العبارات المجازية المصورة التي جسدت خيال العربي وخلدته. وهذه الخصائص الداخلية تحتاج إلى فكر جديد يجدد في صيغتها وفي وسائلها التعبيرية، وتحتاج إلى محيط ثقافي قادر على إثارة النفس والفكر، ليبحثا عن أبجدية جديدة في لغة العرب من شأنها أن تكوّن تعبيراً جديداً يضاف إلى التراث، ويكون وسيلة إثارة من جديد، فيهيء للإبداع فالتعبير.
لندع إذن إلى تجديد الفكر لا إلى تجديد اللغة، لأن اللغة لا يمكن أن تتجدد والفكر مهترئ من القدم، ولكنها تشبه التابع الذي يتحدث عنه علماء الرياضيات، لأنها في الواقع تابع للفكر تتجدد بتجدده، وتثرى بثرائه، وكذلك تنحدر بانحداره.
وإلى جانب هذا يستطيع العرب –إذا أرادوا خدمة الفكر واللغة- أن يفيدوا من طبيعة لغتهم، فمن طريق الاشتقاق والنحت وبناء الصيغ يستطيعون أن يوجدوا آلاف الكلمات والمصطلحات، ولا بد لهم في عملهم هذا من التعريب بمعناه اللغوي، وأعني به أن يقتبسوا من اللغات الأخرى ما لا يمكن نبشه أو اشتقاقه أو نحته من لغتهم العربية، ولهم بالقدماء أسوة.
ولقد مثلت العربية في تلك الأزمنة ما تمثله اليوم اللغتان: الإنكليزية والفرنسية من سيطرة على الفكر العالمي، فقد ظلت مصدر الغربيين في المصطلحات العلمية، إذ أخذوا منها الكحول والجبر، ومعظم أسماء الرياحين والأزهار، ومعظم المصطلحات الطبية ومعظم أسماء النبات كالياسمين والقطن إلى جانب الرَّي والفلاحة.
وقد استمدت إسبانية وبواسطتها أمريكة اللاتينية من اللغة العربية الشيء الكثير من مقوماتها اللغوية ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً.
وليس هذا فحسب بل إنها أمدت الفكر الأوربي بالمنهاج العلمي. يقول المستشرق ماسينيون: "إن المنهاج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية، ومن خلال العربية انطلق في الحضارة الأوروبية" ويقول: "إن العربية استطاعت بقيمتها الجدلية والنفسية والصوفية أن تضفي سربال الفتوة على التفكير الغربي".
ومن هنا كانت سيطرتها على الفكر الأوربي مدعومة بالثقافة وجمال العبارة وراجعة في أصولها الأولى إلى ضعف أوربة يومئذ، فالنقص الفكري في أمة من الأمم يؤدي إلى الإعجاب بفكر أمة أخرى احتكت بها، أو غلبتها على أمرها، وهذا يؤدي إلى أن تكون نظرتها إلى لغة هذه الأمة نظرة إكبار وإعجاب، ويقودها هذا إلى الموازنة بين لغتها القومية ولغة الأمة الفتية الفكر.
لقد حدث هذا في الماضي في إسبانية، ويحدث اليوم مثله في الوطن العربي فلقد أخذ المثقفون الأندلسيون وأرباب الفطنة منهم يحتقرون اللغة اللاتينية، ويكتبون باللغة العربية دون غيرها، بعد أن سحرهم رنين أدبها الحي، وأخذوا يحتقرون تراث قومهم، ولا يجدون فيه شيئاً جديراً بالاهتمام، قال بعض الغيورين آنذاك: "يا للأسى، إن المسيحيين قد نسو لغتهم، فلن تجد فيهم اليوم واحداً في كل ألف يكتب بها خطاباً إلى صديق، أما لغة العرب فما أكثر الذين يحسنون التعبير بها على أحسن أسلوب".
وما أكثر الكتب العربية التي غزت أوربة وعلمتها ودربتها على البحث والتجربة. ففي الطب عرفت أوربة كتاب القانون لابن سينا، وكتاب الحاوي لأبي بكر الرازي، ومفردات ابن البيطار في الأدوية. وفي الكيمياء عرفت أوربة رسائل جابر بن حيان، وفي الرياضيات عرفت كتاب الخوارزمي، حساب الجبر والمقابلة" وفي الجغرافية عرفت كتاب "نزهة المشتاق لاختراق الآفاق للشريف الإدريسي".
من هذا كله يتبين أن الوسيلة لنهضة لغوية في تعريب العلوم متيسرة، بل إنها اليوم قائمة ولكنها بطيئة، ولعلها لم تبلغ آذان الشباب الذين يتربعون على منابر الصحف والمجلات ويدعون في اللغة وتجديدها دعوات هي إلى النزق والطيش أقرب منها إلى الإصلاح والتقدم.
ثانياً: التحدي القومي:
وإذا تركنا التحدي الثقافي، واجهنا تحدياً من نوع آخر، هو التحدي القومي، فالأقطار العربية منذ بزوغ عصر النهضة حتى يومنا هذا تعاني وضعين متناقضين: وضعاً يشدها إلى الوحدة والتجمع، ووضعاً يحاول تشتيتها وتمزيق ما بقي لها من وشائج الاتصال والقربى..
ولعل أول مشكلة لغوية تصادفنا في التحدي القومي هي اتصال الأقطار العربية المتباينة بلغات أجنبية شتى. فالثقافة الإنكليزية تغزو منذ مطلع عصر النهضة مصر والعراق وجنوبي بلاد الشام. على حين تستقر الثقافة الفرنسية في شمال بلاد الشام والمغرب العربي الكبير، ولعل اللغة التركية لم تغن أشباحها بعد، ولا سيما في التخوم المجاورة لحدودها.
وإذا كانت جيوش الاستعمار قد خرجت من هذه الأقطار فإن رواسب لغته وثقافته لم تخرج بعد. فلقد كان لها في حياتنا الفكرية وجهان يختلفان في التأثير.
أما الوجه الأول: فقد أيقظ فينا النظر إلى تراثنا ومواجهته بفكر جديد وموضوعية ناقدة، أما الوجه الثاني فقد كان مشككاً في قيمنا وفي تراثنا وفي إبداعنا بل في لغتنا بنفسها.
فمن البديهي أن يدرك الاستعمار أثر اللغة العربية في لمّ شتات هذه الجماهير المتناثرة في بقعة واسعة من الأرض تمتد من الخليج إلى المحيط، ومن البديهي أيضاً أن يدرك ما تفعله اللغة في توحيد الفكر والوعي والنفس، ولا بد لـه –وهو الطامع فينا- أن يكون لـه مناهجه المخططة في وأد هذه اللغة الموحدة، وزرع الأفيون في تربة النفوس الشابة، حتى إذا بلغت من النضج مبلغه كان للمخدر الفكري من الأثر للخنجر المسموم.
وعلى هَدْي هذه المعرفة الواعية حمل الاستعمار معه عُدة التخريب اللغوي مثلما حمل معه عدة التخريب المادي، فإذا باللورد كرومر في مصر يضع خطة تعليمية تستهدف إبعاد العربية عن ميدان التعليم، ويستبدل بها لغة قومه، لكنه لم يقف عند هذا الحد بل هيأ المجال لرجال آخرين ليحملوا معاول الهدم، فكانت هناك الدعوة إلى اللغة العامية واستبدالها باللغة الفصيحة، وكانت أيضاً هجمات ظاهرة الهدف تصور العربية لغة البداوة العاجزة عن استيعاب الحضارة والتقدم، وكانت.. وكانت.. وكلها تدل على محاولة جادة وهدف بعيد.
كان هذا في مطلع عصر النهضة، ولكن ما إن سار الزمن في قرنه العشرين بضع خطوات حتى أخذ التعليم ينحدر في الوطن العربي كله، وكان نصيب العربية من هذا الانحدار وافراً، فإذا المتعلمون في المرحلة الثانوية أعاجم، أو عجماوات، وإذا المتخرجون من الجامعات صم بكم، يعد فيهم عالماً من يعرف قواعد كتابة الهمزة، أو مواقع الفاعل والمفعول!!
وأعتقد اعتقاداً جازماً أننا قادرون على نهضة لغوية لو كنا نريد، ولو حاولنا أن نحس بالخطر، وأن نشعر بالتبعة والمسؤولية، فلماذا لا نعنى العناية الكافية بتعليم هذه اللغة تعليماً سليماً في المرحلة الابتدائية؟ ولماذا لا نعد معلم هذه المرحلة إعداداً لغوياً صحيحاً؟ ولماذا لا نقيم لـه الدورات التدريبية في العطل؟ ولماذا لا نوجد لديه وعياً لغوياً بحيث يصبح عمله رسالة قومية؟
ثم ما بالنا نبث البرامج اللغوية في أجهزة الإعلام أسوة باللغات الأخرى؟ ولماذا لا نزود المذيعين بثقافة عالية، وحينئذ يصبحون قادرين على نشر اللغة الصحيحة السليمة بدلاً من أن ينشروا الأغلاط وينثروها في آذان الناس وعقولهم، ولماذا لا نختار محرري الصحف ممن أتقنوا لغتهم إتقاناً كاملاً، ألم تكن الصحافة في بداية عصر النهضة وسيلة لتطوير الأساليب النثرية في الوطن العربي؟ فما بالها اليوم تطور هذه الأساليب تطويراً رجعياً إلى عصر الأتراك والمماليك؟
قد يقولون إن العربية بالغة الصعوبة.. ونقول: إنها لكذلك، ولكن متى كانت صعوبة اللغة القومية تحول بينها وبين أبنائها؟!
ولو كانت صعوبة اللغة مما يقعد بأبنائها عن تعلمها وإتقانها لوجب أن يترك الألمان والصين واليابان لغاتهم لأنها صعبة أيضاً؟!
ولا مانع عندي من أن نحتج بصنيع عدونا إسرائيل، فاليهود أحيوا اللغة العبرية بعد أن كادت تموت، وجعلوها لغتهم الرسمية، وهي في صعوبتها لا تختلف عن العربية.. فما بالنا نميت لغتنا القومية وهي التي قاومت الموت؟!
إن معظم الذين بحثوا عن صعوبات اللغة يضعون نصب أعينهم وفي أدلتهم ألفية ابن مالك وشروحها النحوية، وهم لعمري لا يفرقون بين مياه البحر ورمال الشاطئ فأين نحن الآن من هذه المتون الصعبة؟ وهل في الوطن العربي كله مدرسة واحدة تعلم النحو على طريقة الألفية؟ أما في الجامعات فيختلف الأمر، لأن تعليم المختصين غير تعليم المبتدئين، فلا بد لهؤلاء من أن يؤخذوا بتاريخ المادة، وإلا فكيف ينبغ النابغون؟!
ونحن بعد هذا كله مطالبون قومياً وفكرياً وعلمياً بنشر اللغة العربية، والنهضة بها وجعلها لغة هذا الجيل الذي سيستلم زمام القيادة الفكرية والعلمية، وإن لم نفعل ذلك فإن قادة الفكر في المستقبل القريب سيكونون كافرين بأعظم عامل من عوامل الربط والوحدة الفكرية.. ألا وهو اللغة!!
ولقد كثرت الأقاويل حول صعوبة قواعد اللغة العربية واستحالة الإحاطة بها وللإنصاف والعدل نقول: يمكن أن تعد اللغة العربية الفصحى من أسهل اللغات تعلماً، إنما يلزم لذلك حفظ كل القواعد وتطبيقها.. وهذا أهون من حفظ كل كلمة، وكيف تكتب؟ وكل كلمة وكيف تنطق؟ وكل فعل من الأفعال الشاذة الكثيرة وكيف تصرف.. وفي حفظ كل قواعد الإعراب، وكيف تعرب الألفاظ الشاذة في اللغات التي تستعمل الإعراب، أي تغير أواخر الكلم حسب العامل كاللغات السلافية والجرامية وغيرها.
ولأستاذنا الدكتور عبد الكريم اليافي رأي صريح في هذا الشأن إذ يقول:
"وأحب أن أبدي رأيي في مجال تعليم اللغة العربية وهو أن محاولة تيسير قواعدها وتسهيل أصولها من نحو وصرف، محاولة مخفقة لأنها تؤدي إلى التردي والتراخي والتفاهة والركاكة، نحن نؤثر الصعوبة لأنها تشحذ العزائم وتشد الانتباه" ولا بد في ذلك من اعتماد التراث العربي الأصيل..
إن الإنكليز ما زالوا متشبثين بشعر شكسبير مع أن لغتهم الدارجة تختلف عن لغته.. وإن الفرنسيين ما زالوا متمسكين بقراءة كورني وراسين وموليير مع أن تراكيب لغتهم العصرية قد تغيرت، وذلك كله حفاظاً على خصائص اللغة ما أمكن، وعلى نماذج البيان الأصيلة، وعلى تراكيب التعبير السليمة المفيدة.. فلا حاجة مثلاً لأن نكتب لأطفالنا الصغار في كتب القراءة الابتدائية زرع فريد فولاً، وقطف ملفوفاً.. إن ذلك يزرع التفاهة ويقطف الركاكة ويُعتاد فيه الكسل والتراخي.. أتذكر أنا كنا في الصف الرابع الابتدائي نعتمد كتاب (أدب الدنيا والدين) للماوردي للقراءة.. وما أظن متخرجاً في كلية الآداب الآن يستطيع أن يقرأ بسهولة هذا الكتاب!!
ثالثاً: التحدي الاجتماعي:
إلى جانب هذين الضربين من التحدي يصادفنا تحد من نوع آخر، هو التحدي الاجتماعي، فالمجتمع العربي اليوم يعاني ألواناً من التباين والتغاير في المستوى الثقافي وفي تعدد اللهجات واختلافها، وهذا يعني أن هناك تبايناً فكرياً يؤدي إلى مشكلة لغوية.
علماً أن ازدواجية اللغة (العامية والفصحى) ليس وقفاً على العربية، بل إن هذه المسألة مطروحة على اللغات الأخرى ومنها الفرنسية.. وقد يصعب على الإنكليزي المثقف أن يتفاهم مع رواد الحانات والأوساط الشعبية، ففي لهجتهم لكنة، ومثلها الألمانية والإيطالية والإسبانية.. إلخ.
فلم تستطع العربية الفصحى أن توقف تيار العامية الجارف كما لم تستطع قواعدها أن تسيطر على ألسنة الناس، فاستمر التحرر والتفلُّت من قواعد الإعراب!
ثم إن الثقافة في الأقطار العربية الإفريقية -عدا مصر- تختلف اختلافاً واضحاً عن الثقافة التي عليها الناس في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.
وليس هذا فحسب، بل هناك تباين ثقافي في القطر الواحد، فعلى حين ترى طبقة مثقفة تجد بجانبها طبقة أخرى لاحظ لها من الثقافة.. أضف إلى ذلك أن المثقفين أنفسهم يختلفون في مصادرهم الثقافية بين إنكليزية وفرنسية وروسية.. إلخ وهذا قائم في جميع الأقطار العربية تقريباً.
ولا شك أن اللغة تتأثر بهذا الوضع المضطرب لأنها كما قلنا من قبل ترتبط بالفكر ارتباطاً عضوياً، ومن غير المعقول أن تكون هناك رؤية لغوية متجانسة إذا خلت الساحة من رؤية فكرية متجانسة، ومع هذا كله نجد بعض المثقفين يتهمون اللغة العربية وينالون من قدرتها وحيويتها، وواضح مما قدمت أن العلة فينا نحن لا في اللغة نفسها.. والمشكلة الأساسية في الموضوع أن جانباً كبيراً من الفكر العربي تغذيه لغة أخرى ذات أنماط تعبيرية مختلفة..
ما العلاج؟
تلك هي التحديات فما العلاج؟.. إن الإحساس بهذه المشكلة يرجع إلى زمن غير قصير، ومن أجل ذلك توالت الدعوات إلى الإصلاح والتغيير، ولكنها انطلقت جميعاً –كما يبدو- من اتهام اللغة لا من اتهام الوضع الفكري والاجتماعي.
ومما يلفت النظر في أمر هذه الدعوات أنها بدأت في مصر ولبنان خاصة، وتفسير ذلك أن هذين القطرين كانا أقرب أقطار العرب إلى الغزو الفكري، بل كانا أكثرها انغماساً فيه، وتأثراً به.
وقد سارت هذه الدعوات في مسالك متعددة، فهي حيناً دعوة إلى هجر اللغة الفصيحة، وحيناً آخر دعوة إلى جعل اللهجة العامية لغة رسمية، أو لغة العلم والأدب. وهي طوراً دعوة إلى لغة أجنبية تستعمل في مرافق الحياة العلمية، وحصر العربية في الزوايا والتكايا والكتاتيب، وفي بعض الأحيان نراها دعوة إلى طرح الرسم العربي للكلمات واتخاذ الرسم اللاتيني بديلاً عنه، كما صنعت تركيا.
وراح هؤلاء أو بعضهم يقرنون العربية إلى اللغات القديمة المنقرضة كاللاتينية، واليونانية، والقبطية، ويرون موت لغتنا القومية محتماً لا مفر منه ولا سبيل إلى وقف أسبابه ودواعيه!!
هذه هي أقوال الخصوم وادعاءتهم.. فماذا علينا أن نفعل؟
إذن أمام العربية في تحركها المأمول، وفي دنيا التواصل الحضاري العالمي المرتقب خلال القرن الجديد آفاق مديدة جديدة تجتذبها وتستدعيها.. إنها ليست جديدة الجد كلها، وليست أنُفاً، وإنما هي مطروقة مذللة، لأنها آفاق حضارة عاشت من قبل دهراً طويلاً.. كل الذي نحتاج إليه أن نُدَمِّث طرقها ونلين عقباتها، وننقي من وعرتها، وأن تثار الدوافع النفسية العميقة لها.
ومن هنا تتمثل الحاجة الشديدة إلى معرفة أوضاع اللغة العربية وقضاياها المعاصرة التي تلح عليها، ومشكلاتها التي تعانيها، وإلى الطب لهذه الأوضاع ودراسة هذه القضايا. فما هي أبرز المشكلات وما هي الطرق إلى حلها؟
وسنرى أن بعض هذه المشكلات والقضايا مما فرضته الحياة المعاصرة نتيجة لاتصال الشعوب، وبعضها مما تفرضه طبيعة اللغة في البلدان العربية وبعضها جاء نتيجة للتخلف الذي أصاب العربية فقطعها عن مواكبة التقدم.
إننا نستطيع في نظرة فاحصة أن نحدد الموضوعات التي تجب معالجتها في عنوانين كبيرين: 1-حماية اللغة العربية. 2-نشر اللغة العربية. ثم يتلو هذين عنوان ثالث باسم الوسائل، وهو يتضمن الوسائل التي تشترك بين هدفي حماية اللغة ونشر اللغة.
ولكن يجب أن يسبق ذلك كله معرفة دقيقة بهذه العربية التي نتحدث عنها ونسبر قضاياها ومشكلاتها، فهذه اللغة قديمة ونحن نعرفها من جانب نظري من خلال ما كان من بحوث اللغويين العرب القدامى عنها، ولا بد لنا من معرفة جديدة بها وتعانق مع خصائص من خلال البحوث اللغوية التي داخلت علم اللغة، فإن دراسة اللغة اليوم لم تعد دراسة نظرية فحسب تحفظ فيها المتون، وتستظهر القواعد، بل صارت علماً تجريبياً داخل المخابر، فيستخدم فيها الآلات الحديثة، وتدرس فيها الأصوات دراسة آلية دقيقة، ونحن حتى الآن لا تعرف أقطارنا العربية معهداً يدرس العربية على هذه الصورة الحضارية إلا معهد اللسانيات الذي أقيم في الجزائر.
وليس هذا فحسب، بل هناك شيء آخر هو أن دراسة العربية عندنا مقصورة على اللغويين وحدهم، وعلى حين صارت في البلاد المتقدمة مشاعاً بين علماء النفس، وعلماء الاجتماع وعلماء اللغة.. كل فريق من هؤلاء يقوم بدراسات ذات صلة باختصاصه وهذا يؤدي إلى فهم طبيعة اللغة فهماً أكثر شمولاً، فلا يبقى الأمر عند حدود فهم قوانينها ومعرفة قواعدها بل يتعداها إلى دراسة الوظيفة الاجتماعية للغة وتأثيرها بها.. ويتعداه أيضاً إلى دراسة المعالم النفسية عند المتعلم.. وهذا يؤدي إلى معرفة أنجح الوسائل لخدمتها وطرائق تعليمها.
والمشكلة التي نعانيها نحن في هذه الأيام هي أن علم النفس وعلم الاجتماع مما نستورده من علوم لا مما تصنعه بيئتنا العربية.. ومن أجل ذلك يأتي المختصون عندنا لا ليبدعوا، بل ليستظهروا ما تعلموه! فأنى لهم أن يشاركوا في دراسة العربية، بل أنى لهم أن يحيطوا بها وبقوانينها، وأن يلموا بخصائصها؟!
إذن في وسعنا بعد كل هذا أن نجعل بحث قضايا اللغة العربية بالعناوين التالية:
أولاً :معرفة اللغة العربية عن طريق تجديد البحث اللغوي وإتاحة الفرصة لمخالطة الدراسات اللغوية الحديثة والإفادة من معطياتها النظرية ووسائلها العملية.
ثانياً :حماية العربية ويتناول:
آ-الصراع الداخلي بين العاميات والفصحى (ظاهرة التفتت اللغوي).
ب-الغزو اللغوي الخارجي (ظاهرة الازوداجية اللغوية).
ثالثاً :نشر العربية ويتناول:
أ-تعليم العربية للعرب.
ب-تعليم العربية لغير العرب من الشعوب الإسلامية التي تستخدم الحرف العربي والتي لا تستخدمه، والشعوب الأجنبية.
ج-التعليم الجامعي واللغة العربية (قضية المصطلح العلمي).
رابعاً :بعض الوسائل ويتناول:
آ-الطباعة العربية.
ب-المعجم العربي.
ج-وسائل الإعلام واللغة العربية.
ولا يتطلب أحد من هذا التقسيم أن يكون دقيقاً على نحو لا يسمح بشيء من تعديل بسيط في الموضوعات أو في تتابعها.. إن البحث اللغوي في الأصل وحدة كاملة متداخلة.. لا يقبل الفصل بين أجزائه إلا على نحو من التسهيل أو التقريب أو توزيع الجهد.. وهو بذلك يمكن أن يتيح الفرصة أحياناً لكي نلمح علاقة أحد العناوين الصغيرة بأكثر من عنوان واحد كبير.. مما يدفعنا إلى التسامح في قبول هذا التقسيم رغبة في تماسك البحث، ونزولاً عند رغبة اصطناع الحدود في عمل متداخل كبير.
***
أهم مراجع ومصادر البحث
1-اللغة العربية بين القومية والعالمية /د.إبراهيم أنيس.
2-اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية /ساطع الحصري.
3-لغتنا وأمن قوميتنا /د.عبد الرحمن البزاز-مجلة (العربي).
4-لغتنا والحياة /د.عائشة عبد الرحمن.
5-اللغة العربية بين المعيارية والوصفية /د.تمام حسان.
6-عبقرية اللغة العربية /الأستاذ محمد المبارك.
7-مباحث لغوية /د.إبراهيم السامرائي.
8-اللغة العربية هويتنا القومية /د.صالح خرفي/ من قضايا اللغة العربية المعاصرة.
9-قضايا اللغة العربية المعاصرة /د.شكري فيصل/ من قضايا اللغة العربية المعاصرة.
10-تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر /د. نفّوسه زكريا/ من قضايا اللغة العربية المعاصرة.
11-مشكلة العربية فكرية قبل أن تكون لغوية /د. محمد خير حلواني.
12-مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
13-مجلة (اللسان العربي) مكتب تنسيق التعريب بالرباط.