المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : «كده رضا» للمخرج أحمد جلال ... أخيراً فانتازيا مصرية


عفاتا
09-02-2007, 11:41 مساء
«كده رضا» للمخرج أحمد جلال ... أخيراً فانتازيا مصرية باسمة ومشوقة ...وتحترم المشاهد

القاهرة - فريال كامل الحياة - 31/08/07//


عهدنا أحمد حلمي فناناً خفيف الظل يجذب جمهوره ليسكن قلبه. ودأب حلمي على أن يجسد في أفلامه دور الشاب العادي الذي لا يتحلى بمواهب براقة أو يتميز بقدرات خارقة. يبدو على الشاشة بقامته النحيلة، متواضعاً الى درجة أن كل أمله في الحياة أن يعيش بشرف وكرامة. فهو غالباً لا يستند إلى عائلة ثرية أو ذات نفوذ، الأمر الذي يُكسبه تعاطف المشاهدين، إذ يتمثلون فيه صورتهم أو صورة أبنائهم. ولكن حلمي غالباً ما يكسر التوقعات ويحقق إنجازاً، يزرع الأمل ويشيع التفاؤل في نفوس جمهوره.وفي أحدث أفلام «كده رضا» من إخراج أحمد جلال، يجسد حلمي ببراعة ثلاث شخصيات متباينة في إطار حبكة صاغها المؤلف أحمد فهمي بحيث تفسح مجالاً لفانتازيا مبتكرة ثرية بالمواقف والتفاصيل، يعرضها المخرج بلغة سينمائية ضاجة بالحيوية. http://www.daralhayat.com/culture/movie/08-2007/Item-20070830-b7aedc81-c0a8-10ed-01b1-93404112c8e4/fantasia_15.jpg_440_-1.jpg

الحاجة أُم الاختراع


يقولون إن الحاجة أم الاختراع. وفي هذا الفيلم تطبيق لها من خلال شخصية هندي (لطفي لبيب) «لص الخزائن» الذي يُنجب ثلاثة توائم ذكوراً. ومنذ المشهد الأول للفيلم يتحدى المؤلف - في باكورة أفلامه - جمهوره حين ينتزع بسماته من أقصى المواقف بؤساً، إذ تُسلم الزوجة الروح وهي توصي زوجها لطفي لبيب أن يعيش بشرف وأن يطعم أولاده بالحلال، بينما تُطلق الداية (الموَّلدة) زغاريد الفرح بالمواليد.
يتفتق ذكاء الأب – على رغم بساطته - عن حل عبقري للورطة التي أوقـعـه فيها القدر، ذلك حين يكتشف نظرية في الاستثمار - إن التزمنا الدقة هي نظرية في الاستغلال - يحسده عليها أساطين النصب والاحتيال، ومفادها أن يدفع تكاليف طفل واحد ليجني كل من أبنائه الثلاثة ثمرة اجتهادهم مجتمعين، الأمر الذي يضع وصية الراحلة العزيزة في الحسبان ويعيش هو بشرف ويطعم أولاده بالحلال ولا يتعاطى الحرام. فتتدفق كوميديا الموقف عن كتمان سر التوائم عن أهل الحارة والتحايل على القانون واستغلال رغبات البسطاء وأطماعهم. يستخرج عم هندي وثيقة ميلاد واحدة للمواليـد الثـلاثـة ليـشاهد الجمهـور ثلاث نسخ من المولود (رضا هندي) الأمر الذي يحقق فوائد عدة منها ألا تصيبهم العين وأيضاً أن يحصل كل منهم على إعفاء من الخدمة الإجبارية بحكم أنه وحيد أسرته (ولا يفوتنا أن نقدر للرقابة على المصنفات الفنية أن استثنت الفانتازيا من تهمة خرق القوانين).

ثلاثة في واحد


وتتلاحق الأحداث فيقسم عم هندي أيام الأسبوع الدراسي على التوائم بحيث ينتظم كل منهم يومين فقط في الدراسة ويستذكر كل منهم ثلث المناهج الدراسية ليؤدي الامتحان فيها، ويطير المتفرج على جناح من المونتاج إلى سني المراهقة ليتضامن (الثلاثي رضا) للفوز بكأس سباق التتابع، ولكن بمرور السنين لا يبقى الحال كما هو، وتظهر على التوائم بوادر التمرد على التوحد الذي فرضته عليهم نظرية عم هندي، الأمر الذي يهدد بإفشال النظرية.
ويزيح عم هندي الستار عن الشبان الثلاثة (البرنس وبيبو وسمسم) وقد أصبحت لكل منهم شخصية مميزة لها سماتها واهتماماتها.
يتسم البرنس بقدر كبير من الشجاعة وقدرة متفوقة على الاقتحام. يغوي البرنس طراز المغامرين في الغرب الأميركي ويرث مهنة أبيه الأولى ليكسب رزقه من النصب والاحتيال، فيبيع لجاره نظارة رخيصة على أنها نظارة مستوردة، وتكشف الأجسام عارية. ويبيع أيضاً مشروب التمر الهندي للبارمان على أنه نبيذ قبرصي معتق. أما بيبو فيعشق كرة القدم ويبدو مهووساً بالنادي الأهلي، ما يورطه في مشاكل مع مشجعي النادي المنافس. وتتباين شخصية سمسم تماماً عن شقيقيه، إذ يبدو خجولاً منطوياً على نفسه حتى أنه يقضي يومه أمام جهاز الكومبيوتر ليصير خبيراً ببرامجه.
وتمثل ملاحظة حلاق الحارة علامة فارقة في مسار التوائم حين يبدي دهشته من سرعة نمو شعر (رضا) قبل أن تمر بضع ساعات على حلاقته. فيوقن التوائم استحالة أن تستمر حياتهم بشخصية واحدة وتحت اسم واحد، ويتخذون قراراً بتصعيد العمليات (النصب طبعاً) لادخار مبلغ كبير يغطي مصاريف هجرتهم الى الخارج إذ يشق كل منهم طريقه. ويمتثل سمسم لقرار شقيقيه خشية بطشهما، الأمر الذي يمثل ضغطاً هائلاً على تكوينه النفسي الهش، فيطلب المشورة لدى أحد المحللين النفسيين، مفشياً أمامه سر التوائم شاكياً له عدم ثقته في نفسه وجبنه وضعف شخصيته في مواجهة شقيقيه.
يستدعي السياق تفعيل الدراما فيتدخل قلم المؤلف لطرح هدف يستفز إرادة الثلاثي رضا، ما يهدد بكسر حال الوئام الذي يجمعهم، وليس أكثر إثارة وأقوى جاذبية من الفاتنة ندى (منة شلبي) التي تدفع سمسم بسيارتها الأنيقة على أثر انتهاء جلسته مع المحلل النفسي فيقع في حبها. يحتدم الصراع بين التوائم فيدبر كل منهم المكائد لشقيقيه حتى ينفرد بالفتاة الرقيقة، خصوصاً أنها تواجه ظروفاً مأسوية بين استيلاء عمها على نصيبها من الميراث، ومرض والدتها، ما يستدعي سفرها للعلاج في الخارج. وتتوطد الصداقة بين رضا والفتاة الرقيقة التي لم تخف حيرتها من تبدل طباعه بين حين وآخر وتباين اهتماماته أيضاً.

العملية الكبرى


يخطط البرنس لعملية كبرى غاية في الذكاء لتوفير متطلبات علاج والدة ندى في الخارج إذ يتوجه كل من التوأم الثلاثة - في كامل أناقتهم - إلى فرع مختلف من فروع البنك، وفي اللحظة ذاتها يتقدم كل منهم لصرف المبلغ ذاته الذي يتم سحبه من الأفرع الثلاثة ليوثقه الكومبيوتر كعملية سحب واحدة، الأمر الذي يثير دهشة المشاهدين المشوبة بإعجابهم!
وفي موقف باسم تتسلم منة شلبي حقيبة الأموال وبتأثر بالغ يقوم الثلاثي بتوديعها في المطار متمنين لوالدتها الشفاء قبل أن تسقط عليهم المفاجأة الكبرى كما الصاعقة.
تتلاحق الأحداث وتتقاطع الخطوط ويشيع الغموض، الأمر الذي يعوق المشاهدين عن متابعة الأحداث حتى يدركوا أن الصياغة المركبة للمشهد السينمائي مقصودة، بفعل المونتير، لإعدادهم للمفاجأة الكبرى إذ يكتشف سمسم بفضل معرفته بعلوم الاتصال أنهم وقعوا ضحية محتالة فاتنة، اختلقت قصصاً ميلودرامية للتأثير فيهم واستغلالهم. وهنا تتصاعد الأحداث لتحمل الدهشة الى المشاهدين خلال مفاجأة أكبر حين يتمكن سمسم من كشف الدور الرئيس للمحلل النفسي في تخطيط - وأيضاً في تنفيذ - عملية الاحتيال عليهم، وتتجلى رؤية المخرج حين يتمكن سمسم من دون أخوته بفضل المعرفة والعلم من أن يكتسب الشجاعة لمحاصرة المحتالة ومواجهتها بدليل إدانتها واسترداد أموالهم كاملة من دون استناده إلى طاقة جثمانية خارقة كما يفعل شقيقه البرنس عادة.
في فيلم «كده رضا»، تضامنت العناصر الفنية لتقديم رؤية عصرية خلال فانتازيا باسمة ومشوقة تتسم بالثراء والحيوية مع شخصيات مفطورة على الذكاء يدعمها العلم والمعرفة من دون البله والغفلة لتضحك معها لا عليها، ويستمتع المشاهدون بأداء أحمد حلمي في كوميديا راقية تسمو على الإفيهات المستهلكة وتنأى عن الابتذال، الأمر الذي يحيي الأمل في انتعاش فن السينما.