المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : فراق الحبيب


amoon
09-22-2004, 05:44 مساء
فراق الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم



إن الله كتب الفناء على كل شيء فكل شيء هالك إلا وجهه ، وحكم بالموت حتى على أحب الخلق إليه محمدا وأنبيائه ورسله فقال عز وجل ( كل نفس ذائقة الموت ) وقال جل وعلا لحبيبه محمد صلى لله عليه وسلم مخاطبا له ولامته ( أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) فبالجملة ( كل نفس ذائقة الموت ) وكل نفس لا بد أن تشرب المنون صغيرة أم كبيرة ، ملكة أم فقيرة ، وزيرة أم حقيرة .

لقد اصطفى الله نبيه ، هذا النبي العربي الأمين المأمون صاحب الجاه العريض ، والعرض المصون ، ومع هذا القرب وهذه المنزلة - التي لا يبلغها الواصلون - نعى الله إلى نبيه نفس نبيه الكريمة وأنذره ريب المنون ، وسلاّه بمن مات من قبله من المرسلين فقال (إنك ميت وإنهم ميتون )

لقد أنزل الله عز وجل قوله ( إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا * ) فقال صلى الله عليه وسلم : " لقد نُعيتْ إليّ نفسي ". وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال :" سبحان الله وبحمده" ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر من قول " سبحان الله وبحمده و أستغفر الله وأتوب إليه" فقلت : يا رسول الله أراك تكثر من قول (سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أخبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي فإذا رأيتُها أُكثر من قولي سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقد رأيتُها ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ).

ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت هذه السورة ما يدل على قرب رحيله ، نزل عليه قول الله ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ، فعاش صلى الله عليه وسلم بعدها (80 يوما ) ، وقيل عاش أقل من ذلك .

وما زال الحبيب صلى الله عليه وسلم يعرّض لأمته باقتراب أجله ودنو فراقه لهذه الدنيا ، فقد خطب الناس في حجة الوداع قائلا :

" يا أيها الناس خذوا عني مناسككم ، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " ، وطفق يودع الناس ، فقالوا هذه حجة الوداع ، فلما رجع من حجته إلى المدينة جمع الناس فخطبهم وقال

"أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيب " ، ثم حض على التمسك بكتاب الله ، وأوصى بأهل بيته خيرا ، قال ابن رجب : ( وكان ابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم في أواخر صفر ) ، وذكر ابن هشام وغيره في السيرة عن أبي مُويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو مُويهبة ( بعثي رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي أيقظني من جوف الليل - فقال :" إني أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع ، فانطلق معي " ،فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال :"السلام عليكم أهل المقابر ، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، فقد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم - كقطع الليل المظلم - يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى " قال : ثم أقبل عليّ فقال: " يا أبا مُويهبة إني قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخُيرت يبن ذلك ، وبين لقاء ربي والجنة "، فقال أبو مُويهبة : بأبي أنت وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، فقال : " لا والله يا أبا مُويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة " ، ثم استغفرَ لأهل البقيع ثم انصرف .

فبُدء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدأه وجعه الذي قبضه الله فيه ، وقالت عائشة رضي الله عنها: رجع رسول الله صلى الله علبه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " بل أنا والله يا عائشة وارأساه " ، قالت : ثم قال : " وما ضرك يا عائشة لو متِ قبلي فقمتُ عليكِ وكفّنتكِ وصليتُ عليكِ ودفنتكِ " ، قالت عائشة : والله لكأني بكَ لو قد فعلتَ ذلك ، لقد رجعتَ إلى بيتي فأعرستَ فيه ببعض نسائكَ ، قال : فتبسم صلى الله عليه وسلم .)

وروى الدارمي : أنه خرج صلى الله عليه وسلم وهو معصوب الرأس بخرقة حتى أهوى على المنبر فاستوى عليه فقال : " والذي نفسي بيده إني لأنظر الحوض من مقامي هذا " ، ثم قال : " إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء ، وبين ما عنده ، فاختار ما عند ربه " ، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، وقال : فعجبنا ، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء ، وبين ما عنده ، وهذا الشيخ يعنون أبا بكر - يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخيّر ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله

أبو بكر ، ولو كنتُ متخذاً من الأرض خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام ، لا يبقى في المسجد خَوخَة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر " -رواه الشيخان -

قالت عائشة رضي الله عنها : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد وجعه استأذن أزواجه رضوان الله عليهن أن يُمَرّضَ في بيت عائشة فأُذن له ، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض - خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت ميمونة إلى يبت عائشة وهو محمول يحمله العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب قد أثقله الوجع ورجلاه صلى الله عليه وسلم تخطان في الأرض - .

وفي رواية : أنه صلى الله عليه وسلم قال لنسائه : " إني لا أستطيع أن أدور في بيوتكن فإن شئتن أذنتن لي في البقاء عند عائشة " . وفي رواية : أنهن قلن : يا رسول الله قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة . وقيل أن فاطمة رضي الله عنها خاطبت أمهات المؤمنين بذلك ، فدخل بيت عائشة يوم الاثنين ، وكان أول مرضه صلى الله عليه وسلم الصداع ، ثم نزلت به الحمى واشتد ، حتى روي عنها رضي الله عنها أنها قالت : ما رأيتُ أحداً كان أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت عليه قطيفة ، فكانت حرارة الحمى تصيب من يضع يده من فوق القطيفة فقيل له في ذلك - فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم عن شدة حرارة ما نزل به من الحمى - فقال صلى الله عليه وسلم : " إنا كذلك معاشر الأنبياء يُشدد علينا البلاء ويُضاعف لنا الأجر " . وعن عبد الله قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت : يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً ، قال : " أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم " ، قلت : ذلك أن لك أجرين ؟ قال: " أجل ،كذلك ما من مسلم أوذي بشوكة فما فوقها إلا كفّر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها . )

ولهذا من شدة ما نزل به من الوجع ، وما نزل به من الحمى وحرارتها يقول : " أهريقوا علي من سبع قرب لم تُحلّ أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس " ، قالت عائشة : فأجلسناه في مخضب ثم طفقنا نصّب عليه من تلك القرب حتى طفق - بأبي هو وأمي - يشير إلينا بيده "أن قد فعلتُن " . وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " لا أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، لا أزال أجد ألم الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أظهري من السم ".

وذلك أن يهودية دعت نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكانت تعلم أحب مواضع اللحم إليه فسمّت ذلك الموضع حقداً وبغضاً وكراهيةً على نبينا صلى الله عليه وسلم .

عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا جاء نصر الله والفتح )

- إلى آخرها - قال صلى الله عليه وسلم : " نُعِيتْ إلي نفسي " ، فأقبل إلى منزل عائشة والحمى عليه . قال بلال رضي الله عنه فلما أصبحتُ أتيت إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فناديت : السلام عليكم يا أهل بيت النبوة .. الصلاة . - جاء بلال يؤذِن النبي بالصلاة ليقم بلال الصلاة ليؤم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة : " مُري بلالاً يقرئ أبا بكر السلام ويقول له يصلي بالناس " ، قال بلال : فرجعت باكيا وأنادي : وا سيداه ..وا نبياه وا سوء منقلباه ليت بلال لم تلده أمه . ثم أتيت المسجد فوجدت أبا بكر محتبسا بالناس ، فبلّغت أبا بكر السلام والرسالة قال بلال : فأقمت الصلاة فلما بلغت

( أشهد أن محمدا رسول الله ) غلبني البكاء ، فبكيت وبكى الناس فتقدم أبا بكر رضي الله عنه فأم الناس ، واستفتح الفاتحة ثم قرأ ، فلما نظر إلى موضع أقدام النبي صلى الله عليه وسلم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس من خلفه ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ضجة الناس بالبكاء قال لفاطمة : " ما هذه الضجة التي في المسجد ؟ " ، فالت فاطمة : إن المسلمين فقدوك وقت الصلاة . ثم وجد النبي صلى الله عليه وسلم خفةً في بدنه ، فتوضأ وخرج متوكئاً على الفضل بن عباس وأسامة بن زيد علي بن أبي طالب فلما رأى المسلمون نبيهم .. لما رأى المسلمون حبيبهم .. لما رأى المسلمون نوراً تدفق إلى المسجد في إقبال النبي صلى الله عليه وسلم وأحسوا بمجيئه جعلوا ينفرجون حتى وصل النبي ، فوقف بإزاء أبي بكر وصلى بالناس ، فلما فرغ رقى المنبر يخطب في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم أقبل للناس بوجهه الكريم كالمودع لهم فقال : " ألم أبلغكم الرسالة ، وأؤدي الأمانة والنصيحة ؟ " ، قالوا : بلى يا رسول الله قد بلّغت الرسالة ، وأديت الأمانة ونصحت الأمة وعبدت الله حتى أتاك اليقين ، فجزاك الله أفضل ماجزى نبي عن أمته . ثم نزل فودع أصحابه ، وعاد إلى عائشة .

وذكر القسطلاني ( في المواهب اللدنية ) قال : نعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قبل موته بشهر فلما دنا الفراق يقول الراوي : دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم - والراوي هو عبد الله بن مسعود - في بيت أمنا عائشة فنظر إلينا ودمعت عيناه ، فقال : " مرحبا بكم ، حيّاكم الله ، آواكم الله ونصركم الله ، أوصيكم بتقوى الله وأستخلفكم الله عليكم وأحذركم الله إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ) . وكان عنده صلى الله عليه وسلم سبع دنانير فأمر عائشة رضي الله عنها أن تتصدق بها ، ثم قال بعد أن وضعها في كفه وهو ينظر إلى سبعة دنانير يقول : " وما ظن محمد بربه لو لقي الله محمداً ربه وهذه عنده " . ثم تصدق بها كلها .

وعن فاطمة رضي الله عنها قالت - لما صار يتغشاه الكرب -: وا كرب أبتاه . قال صلى الله عليه وسلم : "ليس على أبيك كرب بعد اليوم " .

وجاء عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ، اللهم أعني على سكرات الموت ، اللهم أعني على كُرَب الموت " ، ولم يزل صلى الله عليه وسلم في مرضه هذا ، ثم هبط جبريل عليه السلام وجلس عند رأسه وقال إن الله يقرئك السلام ويقول : ( كيف تجد نفسك - وربك أعلم بالذي تجد منك - فقال صلى الله عليه وسلم : " أجدني يا جبريل مغموما ..أجدني يا جبريل مكروبا ثم أتاه جبريل عليه السلام في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك ، فقال :" يا جبريل إن ملك الموت قد استأذن وأخبرني بالخبر، فقال : ( يا محمد إن ربك مشتاق ، وأنت تعلم ما أراد منك ربك ) ". ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما قُبضت روحه ... وصعدت روحه الشريفة إلى الملأ الأعلى ، والرفيق الأعلى إلى ربنا عز وجل ... لما صعدت روحه الشريفة دخل عليه الناس وكان قبل موته صلى الله عليه وسلم قد استأذنت فاطمة فأذن لها ، وقال : " ادني مني يا فاطمة " فانكبت عليه تبكي بكاءً طويلا وعيناها تذرفان وما تطيق الكلام ، ثم أدنت رأسها فانكبت على والدها صلى الله عليه وسلم فأكبت تقبله ثم عاد صلى الله عليه وسلم يناديها ، فرفعت رأسها وهي تبتسم ، قال الذين شهدوا : فرأينا عجبا ، أكبت فاطمة على أبيها تبكي ثم رفعت رأسها تبتسم . فكان آنذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بدنو أجله وفراقه الدنيا فبكت ، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يجعلها أول أهله لحوقا به وأن يجعلها معه في منزلته ودرجته صلى الله عليه وسلم فتبسمت ، فقال جبريل حينئذ : عليك السلام يا رسول الله هذا آخر ما أنزل به إلى الأرض فقد طوي الوحي ، وما كان لي حاجة بال دنيا إلا حضورك إنما كنت صاحبي في الدنيا .

وعن عائشة رضي الله عنها أنه قالت : أُغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري ، فجعلتُ أمسح وأدعو له بالشفاء فلما أفاق قال : " أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل والملائكة " .

وذكر الواقدي أن بعض الصحابة قالوا : يا نبي الله من الذي يلي غُسلك ؟ - من يغسلك؟ - قال : " رجل من أهل بيتي " ، قالوا : ففيما نكفنك ؟ قال : " ففي ثيابي هذه " ، قالوا : كيف الصلاة عليك منا ؟ وبكينا قال : " غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا ، إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ثم اخرجوا عني ساعة ، فإن أول من يصلي علي جبريل عليه السلام ، ثم ميكائيل ، ثم ملك الموت ومعه جنود من الملائكة بأجمعِهم ، ثم ادخلوا عليّ فوجا فصلوا علي وسلموا تسليما ويبدأ بالصلاة عليّ رجال من أهل بيتي ، ثم نسائهم ثم أنتم " ، ثم اشتد به الأمر صلى الله عليه وسلم ، حتى أن وجهه الشريف ليرشح بالعرق .

قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيتُ رشحا من أحد قط مثلما رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم ، وما وجدتُ لذلك رائحة أطيب منه ، فكنت أقول : بأبي أنت وأمي ما تلقاه من الرشح ؟ فقال :" يا عائشة إن

نفس المؤمن تخرج في الرشح وإن نفس الكافر تخرج كالحمار " ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة من ماء فجعل يدخل يديه ويقول : " لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ، لا إله إلا الله إن للموت لسكرات " ، ثم لفظ صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول :" اللهم الرفيق الأعلى " حتى قضى نحبه .

وكان آخر ما قال صلى الله عليه وسلم : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " - من عنايته بالتوحيد صلى الله عليه وسلم - وكان وهو يعالج سكرات الموت يحرض ويؤكد على التوحيد ، ثم قال : " اشتد غضب الله على قوم جعلوا قبور أنبيائهم مساجد " ، وكان من آخر ما قال صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الصلاة .. الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم " .

-هذه الصلاة يا عباد الله التي ضيعها كثير من المسلمين فلا يشهدونها ، ويؤخرونها عن وقتها هي من أواخر ما قال صلى الله عليه وسلم -.

وروى ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال : لما ثقل النبي صلى الله علبه وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة : وا كرب أبتاه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " ، فلما مات صلى الله عليه وسلم قالت : يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ...، فلما دفن قالت : كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على نبيكم - صلى الله عليه وسلم -.

وقد تولى غسله صلى الله عليه وسلم أهل بيته ومنهم عمه العباس وعلي والفضل وأسامه بن زيد وصالح مولاه رضي الله عنهم وتولى على رضي الله عنه غسل وجهه بنفسه وأسنده إلى صدره وعليه قميصه وهو يقول : بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيّا وما أطيبك ميتا . وأنزله عمه العباس في قبره وعلي وقثم بن العباس .

وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، فلما مات صلى الله عليه وسلم أظلم ذلك اليوم في المدينة ، وعلت الأصوات ، وبكى الناس ، واضطرب المسلمون اضطرابا شديدا

فكان منهم من دُهش ومنهم من خلّطَ في كلامه وخَلَط ، أما عمر رضي الله عنه فإنه قال : إن رسول لم يمت وإنما وعده ربه كما وعد موسى عليه السلام ، وهو آتيكم . وقيل قال عمر رضي الله عنه : أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله - من هول الفاجعة .. من شدة المصيبة ،لم يصدق أن نبيه مات - فإنه لم يمت ، والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله قد مات إلا علّمته بسيفي .

ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام ، وسكت عثمان بن عفان فلم يطق الكلام أبدا ، وجعل يأخذ بيده فيجيء ويذهب ، ومنهم من أقعده فلم يطق القيام كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه إلا أبا بكر فقد ثبّته الله فأقبل مسرعا رضي الله عنه وكان في بني الحارث بن الخزرج فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم ميّتٌ مسجى فكشف عن وجهه الشريف واكبّ عليه وجعل يقبّل وجهه مرارا ويقول وهو يبكي : إنا لله و إنا إليه راجعون مات والله رسول الله ، مات والله رسول الله ثم قال : بأبي أنت وأمي ما كان الله ليذيقك الموت مرتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها . ثم دخل المسجد وعمر يتكلم والناس مجتمعون على عمر فتكلم أبو بكر وشهد أن لا إله إلا الله ثم حمد الله وأقبل الناس إلى أبي بكر وتركوا عمر رضي الله عنه ، قال أبو بكر من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد رب محمد فإن الله حيّ لا يموت ثم تلا قول الله ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ..) فاستيقن الناس كلهم بموته وكأنهم لم يسمعوا هذه الآية إلا ذلك اليوم فتلقاه الناس منه فما سُمع أحد إلا يتلوها .

فيا عباد الله من عظمت عليه مصيبته فليتذكر مصيبة المسلمين في موت نبيهم وفراق إمامهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، إن الجمادات تصدعت من ألم فراق الحبيب فكيف بقلوب المؤمنين ، أليس الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم قبل أن يُعَدَّلَه المنبر لما ترك النبي الخطابة عليه وانتقل إلى المنبر لما فقد الجذع قدم النبي صلى الله عليه وسلم صاح صياحا وحنّ حنينا - وهو جماد - حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم من منبره واعتنق الجذع فجعل يهدأ كالصبي الذي يُسكّن عنه بكاؤه وقال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لحن إلى يوم القيامة "، فكيف بأعين لا تدمع وقلوب لا تتألم حينما تذكر فراق النبي صلى الله عليه وسلم .

إن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في حياته وفي ميتته صلى الله عليه وسلم فعلاً وقولاً وفي جميع أحواله ، ففي ذلك عبرةٌ للمعتبرين ، وتبصرةٌ للمتبصرين إذ لم يكن أحداً أكرم على الله من نبيه ، إذ كان خليل الله وحبيبه ونجيه وصفيه ورسوله ونبيه ، فانظروا يا عباد الله هل أمهل الموت نبينا خير خلق الله عند انقضاء مدته ؟ وهل أخر الموت نبينا ساعة بعد حضور منيّته ؟ بل أرسل إليه الملائكة الكرام الموكلين بقبض أرواح الأنام ،فجدّوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها إلى رحمة ورضوان وخيرات حسان ، بل إلى مقعد صدق بجوار الرحمن ، فاشتد مع ذلك في النزع كربه صلى الله عليه وسلم ، وتغير لونه ، وعرق جبينه حتى بكى لمصرعه الزكي من حضره ، وانتحب لشدة حال ما أصابه من السكرات من شاهد منظره ، وقد امتثل الملك ما كان به مأموراً ، فهذا حاله صلى الله عليه وسلم أصابه الموت ونزل به ، ونزلت به سكرات الموت ونزلت به الحمّى واشتدت وهو يجعل يده في الماء ويمسح على وجهه ، ويقول : " إن للموت لسكرات " ، هذا مع أنه عند الله صاحب المقام المحمود ، والحوض المورود ، وهو أول من تنشق عنه الأرض ، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الزحام ..

فالعجب أنا لا نعتبر بما حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم ، ولسنا على ثقة أن ننجو \.. هيهات هيهات ، ستخرج الأرواح وتذهب الأفراح ، ونلقى كُربات الموت والوفاة ، ولا يستطيع أحد أن يسترجع ما فات والكل على النار واردون ، ثم لا ينجو من النار إلا المتقون ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فبها جثيا * ) إننا سنلقى كرب الوفاة يا عباد الله ونحن سنلفى ما نحن مقدمون عليه ، فلنتفكر في الراحلين ، ولنعتبر بالسابقين ولنتأهب فإننا في أثر الماضين ..

أين الأخلاء والأخوان وأين الأصدقاء والأقرباء ، وأين الآباء والأمهات وأين الأجداد والجدات رحلوا عنا إلى أعجب الأوطان ، وبنوا في القلوب بيوت الأحزان ، فمن الذي طلبه الموت فأعجزه ؟ من الذي تحصّن في قبره فما أبرزه ؟ من الذي سعى في منيّته فما أعوزه ؟ من الذي أمّل طول الأجل فما حجزه ؟ أي عيش صفا وما كدّره الموت ؟ أي قدم سعت وما عثّرها الموت ؟ أي غصن علا على ساقه وما كسره الموت ؟ أما أخذ الآباء والأبناء والأجداد والأحباب ؟ أما ملأ القبور والألحاد ؟ أما حال بين المريد والمراد ؟ أما سلب الحبيب وقطع الوداد ؟ أما أرمل النسوان وأيتم الأولاد ؟ أما تتبّع قوم تُبع وعاد ؟ وعادَ على عاد ؟ ما هذا الانزعاج عند موت الأحباب ؟ وهل للبقاء سبيل للناس ؟ وهل يصح البناء مع تضعضع الأساس ؟

يا حزيناً لفراق أترابه ، كئيبا لرحيل أحبابه ، تبكي ذهابهم غافلاً عن ذهاب نفسك .

كان الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في درسه ، وطلابه من حوله ، فنُعي إليه وبلغه موت أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الله الدارمي - صاحب السنن - فأطرق البخاري باكياً وتحد دمعه على خديه ثم قال :

إن تبق تُفجع بـالأحبة كلهم وفراق نفسك لا أبتا لك تفجعُ

عزاءٌ فما يصنـع جـــازعُ ودمع الأسى أبـد ضائـــعُ

بكى الناس من قبــل أحبابهم فهل منهم اليوم أحــدٌ راجعُ

عرفنا المصاب قبل الوقــوع فمـا زادنـا الـحادث الواقع

تدلى ابن عشريــن في قـبره وتسعــون صاحبــها رافعُ

وللمـرء لو كان يُنجي الفرار في الأرض مضطـرب واسـعُ

ومَنْ حتفـــهُ بين أضلاعه أينفعــه أنـــــه دارعُ

يُسلِّم مهجتــه ســـامحاً كمــا مــدّ راحتـه البائعُ

ولو أن مــن حـدث سالما لما خسـف القـمــر الطالع

وكيف يـوقّى الفتى ما يخاف إذا كــان حاصــده الزارع

هذا هو المصير يا معاشر الغافلين ، واللحود هي المنازل بعد الترف واللين والأعمال الأقران ، فاعملوا ما يزين ، والقيامة موعدنا فتنصب الموازين ، والأهوال العظام ، فأين المفكر الحزين ، إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين .

اللهم اجعلنا ممن أفاق لنفسه ، وفاق بالتحفّظ أبناء جنسه ، وأعد عدّةً تصلُحُ لرمسه ، واستدرك في يومه ما ضاع في أمسه ، واجعلنا اللهم بطاعتك عاملين ، وعلى ما يرضيك مقبلين ، وآمنّا من الفزع الأكبر يوم الدين ، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، واجعلنا من أهل شفاعة حبيبنا سيد المرسلين ، واغفر اللهم لنا ولآبائنا وأقاربنا وارحمنا وأبنائنا وكافة المسلمين ، واجعلهم لنا من الشافعين يا رب العالمين .

محمد ابوصقر
09-22-2004, 05:53 مساء
هاي امون بارك الله فيك على هذا الموضوع الجميل الراقي الرائع
اخوك محمد
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: ::::::ك

"أسأل الله تبارك وتعالى أن يتوب عليك، وأن يقسم لك من خشيته ما يحول بينك وبين هذه المعاصي التي ذكرت ثم أما بعد، فإنَّ خير وسيلةٍ لتتجنب هذه المعاصي ومنها النظر المتكرر المحرَّم للنساء، هو أن تتذكَّر دائماً أن ذلك حرام، وأن تقرأ الآيات والأحاديث التي تحرِّم ذلك، وأن تتذكَّر العقوبة الأخروية لمرتكب هذه الجريمة، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم أن العين تزني وزناها النظر.

وعليك تجنب الأماكن الموبوءة، والمجالس المختلطة بالرجال والنساء، والأحاديث مع النساء، وكل وسيلة تغريك بالنظر إلى ما حرَّم الله.

أكثر من ذكر الموت، وأن المرء يحشر على ما مات عليه، وقد تكون لحظةُ النظر لحظة فراق الدنيا فتحشر على هذه الصورة الآثمة فتُفضَح أمام الخلائق يوم المحشر، ولات ساعة مندم، تذكَّر هذا كله، فإنه يردعك عن هذه المعاصي وأمثالها.

وأقول لك أيضاً: هل تقبل أن ينظر أحد بشهوةٍ إلى أحدٍ من أهلك؟ فإذا كنت لا ترضى ولا تقبل ذلك لأهلك، فلا تقبل لنفسك أن تنظر إلى أمهات الناس وأخواتهم وبناتهم، وقريباتهم.

ينبغي أن تعلم أن الغيرة على العرض، عرضِك أو عرضِ أيِّ مسلم من الإيمان، وأن عدم الغيرة على أعراض الناس من النفاق، واعلم أن فاقد الغيرة على أعراض المسلمين بالنظر إلى نسائهم بشهوةٍ جامحةٍ وبإسرافٍ في هذه المعصية يحتاج إلى حزمٍ مع نفسه أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين وصَّى عليًّا رضي الله عنه: "يا عليّ، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" رواه الترمذي والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، فاقلب نظرك إلى جهةٍ أخرى إذا وقع على امرأةٍ أجنبيةٍ أو نحوها بلا قصد، فإنْ صرفتَه حالاً لم تأثم، وإن استدمت أثمت، جاء في فيض القدير: "والغضُّ عن المحارم يوجب حلاوة الإيمان، ومن ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته".

هذا والله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يبلِّغ المؤمنين ويأمرهم بغض البصر، فقال تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم"، وأنت مسلمٌ يأمرك الله تبارك وتعالى بذلك، فاستشعر عظمة الله وعقوبته إن عصيتَه وخالفتَ أمره فلم تغضَّ بصرك، ولتكن هذه الآيات والأحاديث الآمرة بغضِّ البصر الناهية عن النظر إلى ما حرَّم الله حاضرةً في كل لحظة، وراقب الله في كل طرفةٍ عين يذهب الله تبارك وتعالى عنك كل ما تعاني أو جُلَّ ما تشكو منه، وأنصحك أن تسرع بالزواج فإن ذلك يخفِّف عنك ما تعاني من النظر، ويعفك عن هذه المعاصي وأمثالها.

وأما تقصيرك في صلاة الفجر فأنصحك أن تنام مبكراً حتى تأخذ قسطاً من الراحة، فتكون قادراً على الاستيقاظ على صلاة الفجر، وتجنَّب السهر الطويل فإنه يعيقك عن الاستيقاظ مبكرا، واستعن بساعة منبه عند الاستيقاظ، أو استعن بأخٍ لك في الله، أو جارٍ لك يحافظ على صلاة الفجر ليوقظك وتصلي معه ومع غيره في الجماعة، ويمكنك أن تستفيد من الهاتف عندك في الاستيقاظ لصلاة الفجر بأن يهاتفك صديقك المحافظ على الصلاة ويوقظك في الوقت المناسب، وعليك أن تلهج إلى الله بالدعاء أن يوقظك على صلاة الفجر ويعينك على ذلك عند النوم، وأخيراً أنصحك أن تقرأ فضل صلاة الفجر وثواب من يحافظ عليها وخسارة من تفوته من الثواب، فيتكون لديك الدافع للحصول على هذا الثواب الجزيل بتأدية صلاة الفجر.

وفقك الله وإيانا لطاعته وجنَّبنا جميعاً معصيته".

ويقول الدكتور كمال المصري مستشار صفحة استشارات دعوية:

أخي الشاب أحمد، وبعد أن أوضح لك فضيلة الدكتور محمد أبو فارس عِظَم وخطورة هذا الأمر، دعني أحدِّثْكَ حديثَ القلوب، حديثاً نتفق من خلاله على نقاطٍ قد تغيب عن أذهاننا في خضمِّ محاولات التزامنا الدائمة بدين ربنا سبحانه وسنَّة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وحديث قلبي إليك يتمثّل في نقاطٍ أربع:

الأولى: يا أخي الكريم، إن الله تعالى حين خلقنا خلقنا بشراً لا ملائكة، خلقنا وهو يعلم أننا نخطئ ونصيب، نحسن ونسيء، ولو شاء سبحانه لخلقنا ملائكةً، كما وصفهم سبحانه: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"، فلماذا لا نرضى بالحال التي خلقنا ربنا عليها ونرغب في أن نتحوَّل إلى حالة الملائكة؟؟؟ منطقٌ غريبٌ نحكم به أنفسنا فنعذِّبها.

لنتعامل مع أنفسنا بمنطق الإسلام، هذا المنطق الذي وصفه رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم" رواه أحمد ومسلم، وبذلك نتفق ابتداءً على أن الله خلق الإنسان وهو يعلم أنه يخطئ.

الثانية: ما دام الأمر كذلك، فماذا يفعل من يخطئ؟ من الطبيعي أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والندم، والعزم على عدم العودة إلى ذلك الذنب، ولكن إن عاد فما العمل؟ يعود للتوبة والندم ثانيةً، ويزيد من عزمه على ترك هذا الذنب، فإن عاد وجب أن يلزم نفسه بعقابٍ يشتد كلما عاد لنفس الذنب، وما يحدث من المسلم هذا تقصيرٌ نعم، ولكنه بالتوبة يعود أحسن مما كان، وقد أقسم الله تعالى بالنفس اللوامة للدلالة على عظم قدرها، فقال سبحانه: "لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة"، وأخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بحقيقة خطأ ابن آدم، وبيَّن لنا مَنْ خير الخطائين، فقال: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

فلا تضيق صدور الدعاة عند الذنب بل عليهم المسارعة إلى التوبة والندم والعزم على عدم الوقوع في الذنب ثانية، وما دمنا خطَّائين فلنكن خير التوابين.

الثالثة: عجيبٌ أمرك يا أخي أحمد والله، أنت في حرجٍ من مفاتحة إخوانك؟ أيُّ منطقٍ هذا؟؟ إذا لم يكن انتماؤك إلى هذه الجماعة لإصلاح نفسك فلِمَ يكون؟ لدعوة الناس؟؟ لا يا أخي، ثق أن الناس لا يريدون شخصاً غير قادرٍ على تربية نفسه أوَّلا.

إخوانك -يا أخي- أوَّلاً كي يعينوك وتعينهم على الالتزام وعلى الطاعة، فإن لم يكن، فلا حاجةَ لك بهم، ولا حاجة لهم بك.

يقول أحد الدعاة: "لن ينفكَّ الداعيةُ المؤمن بين جذبَيْن: جذبِ إيمانه، ونيته، وهمته، ووعيه، وشعوره بمسؤوليته، فهو من ذلك في عملٍ صالح، أو عزمة خير.

وجذبِ الشيطان من جهةٍ أخرى، وتزيينه الفتور، وحبِّ الدنيا، فهو من ذلك في غفلة، وكسل، وطول أمل، وتراخٍ عن تعلُّم ما يجهل.

وهذا التردد بين الجذبين أزليٌّ قديم لا ينقطع، وبسببه أوجب المؤمنون على أنفسهم جلسات تفكُّرٍ وتأمُّلٍ وتناصح، يتفقَّدون فيها النفس أن يطرأ عليها كِبْرٌ أو بَطَر، والقلب أن يعتوره مَيْل، والعلم والإيمان أن يتلبَّسا بإفراطٍ يزيد بدعة، أو تفريطٍ يهمل أمرًا وإرشادًا".

وقد ترجم معاذ بن جبل رضي الله عنه هذا الإحساس بكلمة غدت مادةً في دستور أجيال المؤمنين، فقال لصاحبه وهو يذكِّره: "اجلس بنا نؤمن ساعة" رواه البخاري.

فأخذها ابن رواحة وقال لأبي الدرداء، رضي الله عنهما، وهو آخذٌ بيده: "تعال نؤمن ساعة، إنَّ القلب أسرع تقلُّباً من القِدْر إذا استجمعت غليانا".

فأخذناها عنهما، ندعو معنا داعية الإسلام أن يجلس مع كل موعظةٍ ساعة، يؤمن ويراجع نفسَه، وعلمَه، وهمَّته".

فالإخوة ما كانوا إلا ليزيدوا الإيمان، والانتماء لكيانٍ ما تمَّ إلا ليحفظ ويرفع ويعين، فلا تتردَّد -يا أخي أحمد- أن تحادث إخوانك، وإن كنتَ في حرجٍ من إظهار ضعفك أمامهم، فلا أقلَّ من أن تطلب منهم مشاركتك في برامج إيمانيةٍ تقومون بها سويّا، وتركِّز أنت فيها على عيوبك وتقصيرك، فترفع نفسك وترفع إخوانك معك، وتذكَّر دائما: هم بشرٌ مثلك وليسوا ملائكة.

الرابعة: هل الله عزَّ وجلَّ ظالم؟ هل يهوى سبحانه تعذيب العباد؟ حاشاه سبحانه جلّ شأنه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرا "مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا" ستقول لي:

ولِمَ تقول هذا؟ سأرد ببساطة: لأنك ظننت أنَّ ما أنتَ فيه من خيرٍ هو تعجيل نصيبك في الدنيا! يا أخي الكريم، أنت إنسان يخطئ ويصيب، وما عليكَ إلا أن تتوب وتعزم على عدم العودة، وتسأل الله تعالى أن يعينك، إن الإنسان إذا تقرَّب من إنسانٍ آخر فإن هذا الآخر غالباً ما يقدِّر ويحفظ ودَّ من تقرّب إليه، فكيف بالله الرحمن الرحيم العدل سبحانه، الذي لم يكتفِ سبحانه بالتقِّرب إلى من تقرِّب منه، بل يسبق لذلك؟ وهذا ليس كلامي، بل أنقل إليك بشارتين حديثيتين:

في حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه، وإن تقرَّب إليَّ بشبرٍ تقرَّبتُ إليه ذراعا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" رواه البخاري ومسلم.

والبشارة الأخرى: "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيِس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيِس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهمّ، أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شدة الفرح" رواه البخاري ومسلم، فهل من يفرح بتوبة عبده هكذا يغضب على عبده إذا أراد التقرّب منه؟ أحمدك ربي ما أرحمك.

أخي الحبيب أحمد.. أنت إنسانٌ ولستَ ملَكا، المطلوب منك هو مجاهدة النفس، وليس -أبدا- المطلوب منك ألا تخطئ، فإذا أخطأتَ فسارع إلى التوبة والعزم على عدم العودة للذنب، وثق بأن الله أرحم بعباده من أنفسهم.

اسير الشوق
04-29-2007, 03:56 مساء
وما محمداُ الا رسول قدخلت من قبله الرسل فداك بابي وامي يا رسول الله

شكرا على هذه الكلمات الجميله وان شاء الله ياربي بميزان حسناتك

تقبلي مروري المتواضع

تحياتي