هشام النعيم
09-25-2004, 02:06 صباحاً
رحلة القبض علي الزمان الهارب:
اللحظة الخالدة.. و
الحاضر السرمدي
قد لا نستطيع التعبير عن الزمن، سنلجأ لتثبيته في كوادر وإشارات نعلم يقينا أنها
لا تستطيع تعريفه أو تحجيم محيطاته وتدفقها. سيظل لغز الزمن مؤرقا للإنسان مع امتداد وجوده. هذا الوجود
الذي لايقوم ولا يصبح له معني بغير وجودنا. بغير وجود الإنسان. سنظل عاجزين عن الإمساك بلحظة الحاضر، و
ممزقين بين أمل استرجاع الماضي والنفاذ إلي جوهر المستقبل الذي تحيطه هالة إلهية من الرهبة والجلال.. ه
ذه الدراسة العميقة للدكتور عبد الغفار مكاوي أستاذ الفلسفة المبدع، كتبها كتعبير عن قلقه الوجودي، وقد
ضمنها كتابه 'شعر وفكر .. دراسات في الأدب والفلسفة'، الذي صدر عن الهيئة العامة للكتاب ومضي في صمت
شأن أعمال كثيرة جادة فيها يحاول الإجابة عن سؤال الزمن والوجود والسرمدية وارتباطها بالإنسان من خلال
التركيز علي آراء هيد جر ووجهة نظر الشعر والأسطورة ومن خلال عشرات الإشارات التي وردت في أعمال فلاسفة
ومفكرين وكتاب أرهقهم السؤال وألح عليهم في رحلة بحثهم المضنية من الإجابة، وفي سعيهم للقبض علي اللحظة
الزمنية من أجل الوصول إلي هدف أسمي، الخلود!
'الزمن الماضي والزمن الآتي
لا يتيحان إلا
القليل من الوعي
أن تكون واعيا هو ألا تكون في الزمان
لكن في الزمن وحده يمكن للحظة في
حديقة الورد
ولحظة التعريشة التي ينقر عليها المطر،
واللحظة في الكنيسة التي يسري في
ها
تيار الريح عند سقوط الدخان
أن يتذكرها المرء متضمنة الماضي والآتي
عبر الزمن
وحده ينتصر علي الزمن
فقهر الزمان لا يكون إلا خلال الزمان
الحاضر والماضي
ربما ك
انا حاضرا في المستقبل،
وربما كان المستقبل طي الماضي.
لو كان الزمان كله حاضرا سرمدي
ا
لما أمكن استرداد كل الزمان.
ألا أن ما كان يمكن حدوثه لتجريد
يبقي بمثابة الا
مكان الدائم
في عالم من التأمل دون سواه.
ألا أن ما كان يمكن حدوثه وما قد حدث فعل
ا
ليشيرا إلي غاية واحدة
هي حاضر سرمدي...'
ت. س. اليوت
ما لغز الحاضر ا
لذي حير عقل الإنسان وقلبه، منذ أن عاش بين الطقوس والأساطير إلي أن أطلق مركبات الفضاء؟. كيف واجه سره
الذي يتسرب منه كما يتسرب الماء من بين كفيه وكما يفلت الهواء إذا حاول القبض عليه؟!
انه يشعر في
حياته وتجربته اليومية الزمن موجود. فمن منا لا يذكر ماضيه ويحن إليه؟!، من منا لا يحلم بمستقبله ويخطط
له؟!
مع ذلك فهو دائم القلق من زواله، دائم البكاء علي ضياع عمره ومجده، والشكوي من عبث كفاحه و
تعبه. لو أرهفنا السمع قليلا، فربما هزتنا الأنات الآتية من أناشيد المغني الفرعوني الأعمي علي قيثارته،
وزفرات أيوب في العهد القديم ومن قبله 'أيوب البابلي' المبتلي ظلما في الألواح الأربعة التي حملت شكو
اه وعرفت باسم 'لدلول بيل نيميقي' سأمجد رب الحكمة، وحسرات سليمان وداود في المزامير، وبكائيات الشاعر
الجاهلي علي أطلال الأحباب، وأناشيد الجوقة في المسرح الاغريقي، ودعوة هوراس 'اقطف يومك'. ونقوش المق
ابر والمعابد، وربما انتهت الينا لعنات أبي العلاء التي صبها علي الزمان، مختلطة بآهات 'الخيام'
و'دانتي' و 'ليوباردي' و 'هلدرلن' و 'اليوت'..
والانسان يحاول منذ القدم أن يستمهل هذا
الضيف العزيز الذي لايزورنا الا لكي يودعنا، كما يحاول أن يعرف طبيعته، ويحدد موقعه بين ضيف سبقه ولن ي
عود، وضيف سيأتي بعده ولن يقيم.
من منا لايرثي أو يضحك للجهود التي بذلها المفكرون والفلاسفة ل
اصطياد اللحظة الحاضرة التي نحياها ولانمسك بها، ونحاول قياسها وتحديدها فتفلت منا، وتسرع بها دورة الف
لك وعقارب الساعة كالشبح الهارب، بينما تدوم وتتمدد في أعماق الشعور، حتي توشك أن تضم 'الأزل والابد'
في ومضة واحدة؟..
من منا لايحن لهذه اللحظة المواتية العابرة التي دعا أحد حكماء اليونان السبعة
(بيتاكوس) لمعرفة قيمتها والقبض علي خصلات شعرها الذهبية المتدلية من جبينها قبل أن تعبر بنا ونحاول بعد
ذلك أن نجري وراءها لنوقفها فاذا هي صلعاء الرأس من الخلف.
ومن منا لايؤثر عليه سعي 'فاوست' ا
لدائب إلي لحظة الخلود التي يستريح علي صدرها حين يتحد بالمنبع الخالد؟ ومن منا لايتعاطف معه وهو يراه
يجد في البحث عنها في لحظة 'الحب' أو 'المجد' أو 'العمل النافع لشعب حر علي أرض حرة'، فاذا به ي
تعثر في هاوية الخطيئة أو يسقط في حفرة الندم، بينما يتردد هتافه بها:
'تريثي قليلا فما أجملك
؟!'.
ثم من منا لم يعش مع محاولات الفلاسفة لتثبيتها أو إنكارها؟!. من منا لم يدهش لمفارقات
'زينون' الايلي العنيدة التي تلغي الزمان والحركة لتثبت الأبدية؟ ومن منا لايعجب لتساؤلات 'أفلاطون'
عن 'الآن' وجهود 'أرسطو' لتحديدها وجعلها وحدة قياس الزمان، وحيرة 'أوغسطين' أمام سرها حتي هداه
الله إلي أنها 'توتر النفس التي تستجمع الماضي وتتأهب للمستقبل' و 'مواقف المتصوفة' ومواجدهم وأشوا
قهم إلي جعلها بيت السرمدية، واكتشاف 'ديكارت' لضوئها الخاطف وفعلها الحدسي في يقين 'الأنا' وكل يق
ين مترتب عليه، وفي فعل الخلق والحفظ الالهي المتصل للطبيعة والانسان!!
ومن منا لم يهزه جدل 'ك
يركيجارد' المعذب، وهو يفتش عنها داخل الزمان فاذا بها لا 'تتكرر' إلا في 'الأبدية'، والهام 'ني
تشه' المحير بلحظة 'العود الأبدي' التي صعد معها فكره إلي القمة الخطرة ووجدها في لحظة التصميم علي
مفترق الطرق إلي تحقيق الوجود الأصيل، وجمع فيها بين ماض كناه وعلينا أن نكرره فيها، ومستقبل علينا أن
نصر عليه ونحققه فنحقق ذواتنا معه في وجه الموت المتربص المحتوم؟!
كلنا يحس سر الزمن. قد لا نتم
كن من التعبير عنه، ولكنا نحسن بزمانيتنا في كل قول وكل تجربة وكل موقف نمر به. فالزمن قدرنا، والزمن أ
لمنا ويأسنا. وتجربة الانسان بزمانيته هي تجربته الحزينة بزواله وانقضائه وتناهيه. فالزمان شكوي أزلية،
وأغلب الظن أنها ستبقي شكوي أبدية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تسجل شواهد التاريخ والحضارة والدين وا
لفكر والادب هذه الشكوي المرة في صور مختلفة..
لم يكن البحث في سر الزمان عند مفكري اليونان قضية
تفلسف مجرد، بل شعورا مأساويا ودينيا عميقا ترددت فيه أصداء الشكوي القديمة المتجددة. والا فما الذي دفع
'أنكسماندر' في شذرته الوحيدة الباقية إلي القول بأن الأشياء ينبغي أن ترجع لأصلها وأن تكفر عن ذنبها
وفقا لنظام الزمان؟! وما الذي دفع 'زينون' الايلي لالغاء الزمان ومعه التغير والصيرورة؟ ألم يكن هو ا
لبحث عن ملجأ ثابت يتيح للانسان السكينة في حضن الابدية، وتجربة العناق بين الفكر والوجود الذي علمته ا
لربة المجهولة 'أستاذة أستاذه بارمنيدز' أنهما متساويان وثابتان؟
وما الذي جعل 'أفلاطون' يق
ول 'ان الزمان هو صورة الأزل، إن لم يكن هو الفزع من الزمان؟! ثم ما الذي دفع أرسطو والمفكرين من بعده
حتي 'برجسون' إلي 'تمكين' الزمن وقياسه، الا أن يكون هو الخوف من عضة نابه والسعي إلي قيمة أخري
ترتفع فوقه كالفكر الثابت الذي يفكر في نفسه أو الأبد الساكن الذي يتعزي الانسان به ويأمل في
ه.
ان صرخة 'باسكال'، التي ترددت في 'خواطره'، ستظل تطرق أبواب قلوبنا بشدة:
'أري ه
ذا الفضاء الكوني المخيف الذي يحيط بي، وأجد نفسي مقيدا بركن من هذا الامتداد الهائل، دون أن أعرف لماذا
وضعت في هذا الموضع دون سواه، ولا لماذا حددت هذه الفترة الزمنية القصيرة التي قدر لي أن أعيشها في هذه
النقطة بعينها لا في نقطة غيرها من الأزلية التي سبقتني أو الأبدية التي ستأتي بعدي.
لست أري من
كل ناحية الا هذه اللانهايات التي تحبسني وكأنني ذرة وظل لايدوم الا لحظة واحدة بلا عودة'.
وان
'كانط' ليقدم الزمان علي المكان، فيصف الأول بأنه الشرط الصوري القبلي لجميع الظواهر بوجه عام، وهذا
عكس المكان المقصود علي الظواهر الخارجية وحدها، كما يحمل أحد الكتب المؤثرة علي الفكر المعاصر هذا ال
عنوان المهم: 'الوجود والزمان'. ومع أن مشكلة المكان قد لاتقل أهمية عن مشكلة الزمان، بل ربما كانت
أشمل منها وأقدر علي إلقاء الضوء علي طبيعة الانسان وماهيته التي تعلو علي المكان والزمان جميعا، وان ظ
لت أسيرة لها ، علي الرغم من هذا كله فان الحديث عن الزمانية كان علي الدوام هو الحديث عن تناهي الانسان
الذي يظهر في صورته الحادة في زمانيته المنطوية علي فنائه وزواله وموته. ولهذا كان التفكير في الانسان
من حيث هو كائن فان أو 'مائت' مساويا للتفكير فيه من جهة الزمان وفي أفق الزمان. ولهذا أيضا كثر الحد
يث في الفكر المعاصر عن كون الانسان ملقي أو مقذوفا به في هذا العالم، أي في مكان وزمن محددين كل التحد
يد. وهو يعيش فيه وهذا هو أوضح تعبير واقساه عن تناهيه دون أن يدري لماذا يحيا في هذا الزمن لا في زمن
آخر. ولقد عبر 'بسكال' في ختام القطعة السابقة عن هذا أقوي تعبير حين أنهاها بقوله 'بلا عودة' معبرا
بذلك عن واحدية البعد الزمني، وان اتجاهه لا يقبل أن يعكس. فالانسان يشبه ظلالا يدوم إلا لحظة واحدة، ب
لا عودة.
إن السر الأول للزمان هو انه يلتهم كل ما فيه ويلقي به في قبره الذي لايشبع. ولهذا
ارتبط الزمان بالزوال والانقضاء. فالماضي لم يعد له وجود، والمستقبل لم يكن بعد، واذا أقبل فسرعان ما ي
تحول إلي ماض. والماضي والمستقبل كلاهما لا وجود لهما في وجدان الانسان الا من حيث هما حاضر، أي في تذكر
الماضي وتوقع المستقبل. أما الحاضر فلا وجود له في تجربتنا اليومية. كلما مددنا أيدينا للتشبث به، تسربت
منها حبات رمال الزمن (أو 'آناته')، وكلما حاولنا أن نمد في أجل هذه اللحظة الخالية من الامتداد في ل
حظات الصفاء والحب والأنس، أو في لحظات الرعب واليأس روعتنا الحقيقة المحتومة التي تقول ان كل مستقبل ي
صبح فيها ماضيا، وان حاضرها حد وهمي أرق ملمسا من الحد الفاصل بين نقطة البحر والنقطة التي تليها، أو
نسمة الريح والنسمة الرفافة في ذيلها..
ولهذا ربما عذرنا 'أرسطو' الذي أغاظه 'الآن' فأخرجه
من الزمان ليجعله وحدة قياسه...
أنعيش اذا بلا حاضر علي الاطلاق؟ أتكون حياتنا حلما؟ أنخطو علي
الطريق بلا أرض نقف عليها؟! أتكون حياتنا حياة الأسري المغلوبين الذين يتعثرون في الهاوية باستمرار
؟!
اكتب علينا الزوال والانقضاء في كل لحظة من لحظات مدتنا المحدودة، بلا عودة ولا سبيل للرجوع
؟!
أهذه هي نهاية المطاف في تفكيرنا في الانسان؟! ألا يبقي أمامنا الا الاستسلام للبكاء أو الوث
وب فوق جواد الزمن إلي حظيرة 'الأبدية' لنلتمس فيها الخلود والبقاء، ونجفف علي صدرها دموع السفر والش
قاء، أو نتعلل بالسعادة والهناء؟
هنا نبلغ باب السر الثاني للزمن. فنحن زمانيون ولانملك الهروب
من الزمان ولا المكان . ولكننا في نفس الوقت لازمانيون، لا بمعني الخروج من الزمن كما نري في لازمانية
القوانين المنطقية مثلا ولكن بمعني أن الزمن هو المرآة التي نري عليها السرمدية... فنحن قادرون علي ال
مشاركة فيما فوق الزمن، أي في السرمدية ولو للحظات كالبرق الخاطف. ومفهوم السرمدية شيء مختلف عن الزمان
ية، كما يختلف عن الديمومة الزمانية اللامتناهية ويتفوق عليها. والأولي بنا أن نفكر. ان علاقة السرمدية
بالزمان لايمكن أن تتصور تصورا زمانيا، لانها ترتفع فوق الزمان وتشمله بصورة ما.
وسر الزمن ال
ثاني هو قدرته علي أن يتلقي السرمدية فيه. ومادام الانسان بطبعه كائنا زمانيا فانه سيكون كذلك قادرا علي
المشاركة في الأبد والسرمد، بل ربما كان من واجبه أن يسعي إلي هذه المشاركة حتي يكون انسانا بحق... وله
ذا يمكننا القول ان شوكة فنائنا هي خلودنا، لأن الشيء الفاني لن يؤلمه فناؤه، ولأن ما يمكنه أن يحيا فق
ط، سيمكنه أن يموت فقط. أما من يشعر أن كل شيء لابد أن يفني ذات يوم، فإن شعوره هذا يرفعه فوق ذاته وفوق
الكل. كل شيء سينقضي ويزول: أنا وأنت وكل ما يحيط بنا، ولكن فيك وفي شيئا يزيد علي الكل ويختلف عنه، وإ
لا ما عرفنا عنه شيئا..
ولكن بأي معني نفهم قدرة الزمن علي تلقي السرمدية ونفاذها فيه؟! بمعني
أننا بغير هذه القدرة لن نجد أرضا نقف عليها، وأننا ونحن نندفع في مجري الزمان نفسه لن نجد الحاضر الحق،
الحاضر الخالص الذي يهوي إلي وادي الماضي بمجرد وصوله من قمة جبل المستقبل.
إن الحاضر واقع نحياه
دون أن ننتبه اليه في لحظات سنتحدث عنها بعد قليل ونحن نحياه في مجري الزمن وفوق الزمن، لأن السرمدية
تنفذ في الزمن وتضفي عليه الحضور. كما أن الانسان يمكنه بل يجب، عليه أن يستحضرها فيه. فالسرمدية حاضرة
دائما، وهي سبب احساسنا بالحاضر علي الاطلاق. لولاها ما أمكننا أن نقول 'الآن'، فهي التي ترفع الآن ف
وق مجري الزمن العابر . ونحن لانقصد هذا بالمعني الديني والصوفي وحده، بل نقصده بالمعني الفلسفي والحي
اتي، اذ يكفي ان نستغرق في الصلاة لحظات لنحسه، يكفي أن نطالع ما يقوله الكتاب الكريم عن الدار الآخرة،
وما يقوله الانجيل الرابع عن الأبدية، وما يشكو به المزمور التسعون (بالغداة كعشب يزول، بالغداة: يزهر
فيزول، عند المساء يجز فييبس) من زوال بني آدم اذا قورنت حياتهم بأبدية الله.
يكفي هذا كله لنعرف
السرمدية والأبدية، 'فألف سنة عنده كيوم، أمس' هي التي تعطي 'للآن' معناها وواقعها اللانهائي، 'وان
يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون' ..
بهذا تصبح الفلسفة سعيا دائبا إلي الحضور الخالص وقهرا
مستمرا للزمان والزمانية. واذا كان أفلاطون قد علمنا تعريفين أساسيين من تعريفات الفلسفة عندما قال في
أحدهما أنها التأمل الدائم للموت، فمن حقنا أن نغير هذا التعريف (الذي لاينطبق الا علي مرحلة فايدون وما
قبلها!) فنقول ان الفلسفة هي تأمل دائم للحضور الحي. واذا كان قد قال في تعريفه الآخر الذي تبعه فيه فل
اسفة العصر الوسيط من مسلمين ومسيحيين ان الفلسفة هي التشبه بالله بقدر الطاقة فبامكاننا أن نزيده وضوحا
فنقول ان الفلسفة هي جهد دائب لكي يتشبه الكائن الزماني بالكيان السرمدي.
لن نقف عند هذه المعاني
كلها بل سنتجاوزها إلي معني يتصل بوجودنا اليوم كأبناء أمة تسعي إلي اكتشاف هويتها وتحديد مكانها بين ا
لأمم. أمة يعرف المخلصون من أبنائها أنها مهددة بالانقراض والانهيار ان لم تع حاضرها، وتؤد واجب لحظتها،
وتستوعب قيمة ماضيها وتنهض، بأعبائها التي تفرضها عليها فلسفة جديدة حية للتاريخ، أي فلسفة للزمان. الذي
لاغني عنه لفهم التاريخ.
ماذا أقول؟! أأقول اننا اليوم وأينما تلفت فسحب الاخطار تزحف وأهوال ال
تحديات تنادي باليقظة للحاضر الذي ينبغي أن يكرر خير ما في، الماضي من تراث، ويتهيأ لخير ما في المستقبل
من أمل وعمل.
أأقول اننا اليوم نعيش بداية انقراض تلوح نذره، أم نهاية انقراض، بدأنا نتخلص من
آثاره؟!.. لن أستسلم للتفاؤل أو التشاؤم. حسبي أن أدعوك يا قارئي لواجب الحضور الحي وعبء اللحظة الخال
دة. ليست دعوة صوفي، فأنا لم أبلغ أعتاب هذا الشرف،
والعلاقة بين الوعي بالحضور الحي لزمانيتنا
وبين السرمدية 'مقام مهيب غامض'، انما هي دعوة انسان يقدر قيمة اللحظة الحاضرة ويعلم انها الفرصة الو
حيدة للسرمدية، أو بلغة أقرب إلي واقعنا اليومي البائس هي الفرصة الوحيدة لكي 'نكون أو لانكو
ن'..
واذا كانت الأسماء التي تكلمت عن الحضور في اللحظة الخالدة اكثر من أن تحصي أو تعد، واذا
كانت هذه الأسماء تزدحم بها شواهد التصوف والفلسفة والفن والشعر والأساطير والطقوس مما لايجدي معه حصر
للمراجع والنصوص، فلنختر أقصر الطرق وأشدها تواضعا، ولنكتف بالنظر في تأملات فيلسوف معاصر لم يمض علي و
فاته أكثر من عام، نتلوها بخواطر مستمدة من واقع آخر ومجال مختلف قلما ننتبه إليه وهو واقع الشعر والاس
طورة والطقوس، لنختم هذه النظرات بسطور قليلة عن الحضور في اللحظة الخالدة، لحظة نفاذ السرمدية في ال
زمانية، اللحظة التي يتعانقان فيها في لمسة هي أشبه بوميض الشمعة أو لمح البرق فنؤكد وجودنا وحاضرنا في
'الآن'. ونعي ذاتنا حين نتشبث بصخرة اللحظة ونقاوم طوفان الزمان الصاخب، ونثبت اننا جديرون بالنعمة ا
لسرمدية حين نكون أوفياء للحظة، مستعدين لتحمل مشقتها ومسئوليتها استعدادنا لترقب نورها وبريق
ها.
لماذا ارتبط الزمان دائما بالوجود؟ ولماذا لا نفكر في أحدهما دون أن نفكر في الآخر؟! الوجود
منذ فجر الفكر الفلسفي مرادف للحضور. والحضور يكون في أفق الحاضر ويتكلم بصوته. والحاضر في التصور الشا
ئع يعد من الأبعاد الثلاثة التي تلازم تصورنا للزمن الذي يسير علي طريق لا رجوع فيه من ماض إلي حاضر إلي
مستقبل. والماضي في تصورنا الشائع أيضا هو الذي لم يعد له وجود كما أن المستقبل هو الذي لم يوجد
بعد..
ونحن نذكر الزمان حين نقول: لكل شيء زمانه. فكل موجود يأتي عندما يجيء أوانه، ويذهب عندما
يحين حينه ويبقي مدة الزمن التي قدرت له. ولكن هل الوجود شيء؟! هل يشبه الموجودات التي تكون في الزمن؟
وهل الزمان نفسه شيء، أم هو الذي يسع الأشياء والموجودات التي تكون فيه وتفسد، تولد ثم تموت بعضة نابه
؟
عبثا نبحث عن الوجود نفسه بين الموجودات المحيطة بنا، فليس مثلها موجودا زمنيا. ومع ذلك فنحن
نقول انه 'يحضر' في الزمان، يتحدد بكل ما يوجد فيه، يظهر بظهوره ثم لايلبث أن يحتجب ويخفي عنا
سره.
عبثا نحاول أن نلقي الزمان بين الموجودات والأشياء التي تتزمن به وتنتهي فيه. فهو نفسه ليس
موجودا ولاشيئا. انه ينقضي باستمرار، ولكنه في انقضائه يختلف عن كل ما يوجد فيه. والبقاء عكس التلاشي،
أي هو الحضور، والحضور هو أسلوب الوجود.
الوجود والزمان اذن يتحددان بالتبادل، ولكنهما يتحددان
علي نحو لايسمح لنا أن نصف أحدهما وهو الموجود بأنه شيء زمني، ولا أن نتحدث عن الآخر وهو الزمان كما لو
كان أحد الموجودات والأشياء.
هل وقعنا بهذا في شباك العبارات المتناقضة؟ هل نلجأ إلي ما تلجأ ال
يه الفلسفة في مثل هذه الاحوال من تصعيد للتناقض، والجمع بين طرفيه في وحدة أشمل، نسميها بعد ذلك وحدة
جدلية؟! أليست هذه الوحدة التي تهدف للمصالحة بين العبارتين المتناقضتين عن الزمان والوجود، هروبا منهما
معا ومن العلاقة القائمة بينهما؟
وما الطريق الذي نسلكه كي ننظر في موضوع كل منهما علي حدة أعني
في القضية التي يطرحانها أمام الفكر؟ فلنأخذ أنفسنا بالحذر الواجب، ولنواجه هذه القضية. بما يليق بالفكر
من صبر وأناة.
نحن نقول علي الدوام: الوجود يكون، والزمان يكون. فلنجرب تغيير الصيغة اللغوية لن
قول: الوجود يوجد والزمان يوجد (علي أن نفهم من كلمة يوجد معني الجود والعطاء الذي يجمع بينهما ويجود
بهما.
إن الوجود يتيح للموجود أن 'يحضر' ويسمح له بأن يظهر ويكون. وإحضار الموجود بهذا المعني
يساوي إخراجه من التحجب والخفاء إلي الانفتاح والجلاء، ومن ثم يكون الوجود نوعا من العطاء.
غير
أن العطاء لايزال ملفوفا بالظلام، كما اننا لانزال نجهل كل شيء عمن يقوم به. لقد حاولت الميتافيزيقا في
تاريخها كله، منذ بدايتها الساذجة عند طاليس وحتي اكتمالها في فلسفة 'نيتشه' أن تفكر في الوجود من
ناحية الموجود، وتفسره باعتباره الأساس لهذا الأخير. فلنحاول أن نفكر فيه من جهة 'الحضور' والتكشف وا
لظهور، أو كما قلنا الآن من جهة العطاء.
بهذا يتحول معني الوجود، ويصبح العطية أو الهبة التي يج
ود بها الكشف والاظهار من ثنايا التحجب والخفاء وبهذا أيضا يصبح هو الحضور. هذا الوصف للوجود بأنه حضور
ليس بالأمر الذي نقرره من جانبنا أو نختاره بمشئيتنا. لقد تقرر منذ زمن طويل وليس لنا فضل فيه، والتزم
به الانسان منذ طرح سؤاله القدري 'ما هو الوجود' حتي 'حضر' هذا الوجود في تفسيره الأخير له علي هيئة
أقمار صناعية تجوب الفضاء وتدور حول الأرض، ومركبات تغزو القمر والزهرة والمريخ ... الخ.
لقد كان
يحضر في كل مرة في صورة يعبر عنها الانسان بالقوة والفكر، ويلتزم بها في الفعل والسلوك، ويراها ماثلة في
الكائنات المحيطة به والأشياء التي يحيا بالقرب منها ويستخدمها أدوات في شئون معاشه.
هكذا تغيرت
صور الحضور، واختلفت باختلاف المفكرين وتعاقب العصور فكان الحاضر مرة هو 'الواحد'، أو 'اللجوس'، وك
ان هو الجوهر والمثال والفعل، والمونادة، والتصور والارادة، والروح المطلق، وارادة القوة، وارادة ال
ارادة في عودة الشبيه الأبدية..
هذا شيء يشهد عليه التاريخ، حتي لقد طغي الوهم بأن تاريخ صور ال
حضور هو تاريخ الوجود. غير أن تاريخ الوجود شيء مختلف عن تاريخ المدن والحضارات والشعوب، فتاريخية الوج
ود لا تتحدد إلا بكيفية حدوثه، أي بأسلوب عطائه الوهاب، وتكشفه في نفس الوقت الذي يتواري فيه خلف حجاب.
هذا العطاء نوع من 'التقدير' ، والوجود الذي يعطيه هو الذي نصفه بالمقدر.
كل التحولات في صورة
الوجود المعطي هي مراحل في تاريخ الوجود، أو بالأحري تاريخ حدوثه. ومن قدر هذا التاريخ أن تفسيرات الوج
ود عن طريق الموجود كانت تحجب 'قدره' الأصلي شيئا فشيئا، بحيث تواري معني الحضور والعطاء بالتدريج و
أسدل عليه ستار بعد ستار.
ان الارتباط بين الزمان والوجود يشير إلي الأخير بوصفه حضورا، أي إلي
طابعه الزمني. فلنفكر الآن في الزمان لعلنا نهتدي إلي حقيقته.
كلنا يألف كلمة الزمان ويستخدمها
في تصوراته الشائعة علي نحو ما يستخدم كلمة 'الوجود'. ولكن ما أسرع ما نكتشف جهلنا بهما عندما نتصدي
لتحديد معنيهما.
وما أصدق عبارة القديس 'أوغسطين' عن الزمان:
'ان لم يسألني أحد عنه
عرفته، وإذا طلب السائل مني أن أشرحه لم أعرفه'.
يتبين من كلامنا إذن أن الوجود في طابعه المميز
مختلف عن كل ما يتسم به الموجود، وأنه في صميمه عطاء، والعطاء قدر تاريخي أعلن عن نفسه في صور وتحولات
متنوعة.
كما يتبين مما قلناه أن ماهية الزمان لا توضحها التصورات الشائعة عنه، وأن الجمع بينه و
بين الوجود ربما يقربنا منه: فالوجود كما عرفناه حضور أو هو بالأحري اتاحة الحضور.
ونحن لا نكاد
نذكر الحضور حتي نذكر معه الماضي والمستقبل، أي المتقدم والمتأخر بالقياس للآن.
غير أننا إذا
أردنا أن نفهم الزمان من جهة الحاضر، فلابد أن يكون هذا الحاضر هو 'الآن' الذي يختلف عن آن الماضي ال
ذي لم يعد له وجود، وأن المستقبل الذي لم يأت بعد، وإذا كنا لم نتعود علي النظر إلي الزمان من جهة 'حض
ور' الحاضر، فالواقع أننا نتصور الزمان * أي وحدة الحاضر والماضي والمستقبل * علي أساس 'الآن'. وقدي
ما قال أرسطو أن 'الآن' هو ما يكون من الزمان أو يحضر فيه. أما الماضي والمستقبل فهما شيء لا وجود له
* صحيح أنهما ليسا عدما، بل هما وجود أو حضور ينقصه شيء نصفه بأنه هو 'الآن' التي لم يبق لها وجود،
و'الآن' التي لم تأت بعد.
وبهذا يبدو 'الزمان' سلسلة من الآنات المتتابعة، بحيث لا نكاد نذكر
احداها حتي يبتلعها لتوه ويطاردها علي الفور.
هذا 'الزمان' هو الذي يقصده كانط بقوله: 'انه ذو
بعد واحد فحسب وهو الزمان الذي يتألف من آنات متعاقبة، ونعرفه جميعا عندما نخضعه للقياس والحساب، وعندما
نتطلع للساعة، ساعة الحائط أو ساعة اليد، ونراقب عقاربها قبل أن نقول مثلا: الساعة الآن الخامسة وعشر د
قائق. نقول 'الآن' ونعني بها الوقت أو الزمن. ولكننا لن نعثر علي الزمن نفسه مهما قلبنا في الساعة، و
فحصنا آلاتها وفتشنا بين عقاربها!. بل لن نلمس له أثرا مهما حاولنا أن ندقق النظر في أجهزة قياسه الحدي
ثة التي تسمي 'بالكرونومترات'. ولعلنا أن نبتعد عن جوهره الحق كلما أمعنا في هذا البحث.
أين ا
لزمان إذا؟!. أهو موجود؟ ألة مكان يحل فيه؟ أهو وعاء يضم الانات والمكان الذي شبهه أرسطو بوعاء يسع ال
عالم؟!
من الواضح أن الزمان ليس عدما، فكلنا يذكر اسمه، ويشعر بخطاه. فلنجرب أن نظر إليه من جهة
'الوجود'. الذي وصفناه بالحاضر أو الحضور. ولنعلم أن حضور هذا الحاضر مختلف كل الاختلاف عن حضور ال
أبد، بحيث لا يمكن أن يفهم هذا ابتداء من الآن. بل تفهم الآن وتحدد ابتداء منه'.
إذا صح هذا، ف
لابد أن يكون الزمان هو الحاضر بمعني الحضور، ولابد أن يختلف عن تصورنا المألوف له علي هيئة سلسلة من ا
لآنات المتعاقبة التي تخضع للقياس، وإذا صح ما قلناه أيضا من أن الوجود حضور 'تكشف وعطاء' أصبح الحاضر
بقاء وتريثا في مواجهة هذا التكشف والعطاء، كما أصبح 'الإنسان' هو الكائن الوحيد الذي يتلقاه وينتظر
ظهوره، وينفتح عليه ويستجيبله. ولم لم يكن هو الذي يتلقي عليا لدوام هذه العطية لما بلغت إليه، ولبقي ا
لوجود محجوبا مغلقا عليه، بل لما أصبح الإنسان هو الإنسان.
هل ابتعدنا بهذا عن موضوع الزمان و
انصرفنا إلي الانسان؟!.
الواقع أننا لم نبتعد عنه كما نتصور، بل ربما ازددنا اقترابا منه. فطبيعة
الزمان لا تتجلي إلا في الحاضر، بالمعني الذي قصدناه من الحضور، كما أن طبيعة الانسان لا تتحدد إلا عن
طريق التعرض لهذا الحضور وتلقي عطاء الوجود الذي يتجلي له ويتخفي عنه في نفس الوقت. صحيح أنه يخاطبه علي
الدوام. ولكن ما أندر ما 'ينتبه' لصوته، وصحيح أنه معرض لنوره الذي يظهر في هذا الموجود أو ذاك، ولكن
ما أكثر ما ينشغل بظهور الموجود فيغيب عنه نور الوجود!
بيد أن 'الحضور' لا يكون بالضرورة في ا
لحاضر وحده، بل قد يكون فيما انقضي وما هو آت، أي في الماضي والمستقبل. وإذا شئنا الدقة فأن العلاقة ال
متبادلة بين الآتي والمنقضي تتعانق في الحاضر، بل أن الثلاثة جميعا تسلم أيديها إلي بعضها البعض، بحيث
تحضر في وحدة الزمن الواحدة.
ولكن ما الذي تسلمه إلي بعضها البعض؟!
ان هذا الذي تسلمه ليس
إلا الحضور. وهذا الأخير هو الذي يلقي الضوء علي ما نسميه عادة بالمجال الزمني. غير أن الزمن هنا لم يعد
سلسلة من الآنات متعاقبة الحلقات، ولا مسافة فاصلة بين نقطتين آنيتين مما نقيسه ونحسبه عندما نقول علي
سبيل المثال: 'في مجال زمني يبلغ طوله خمسين سنة حدث كيت وكيت'. فالمجال الزمني الذي نقصده الآن هو ا
لانفتاح، أو المجال المفتوح الذي تتحد فيه أبعاد الماضي والحاضر والمستقبل الثلاثة في عناق الحضور والع
طاء، بل هو الذي يسبق ما نسميه بالمجال أو المكان ويجعله ممكنا، كما يسبق كل قياس وحساب للزمن إلي نقط
آنية تتابع في خط ذي بعد واحد.
في هذه الوحدة التي تتلاقي فيها أبعاد الزمن الثلاثي، يحضر كل
منها علي طريقته: الوافد المقبل الذي لم يصبح بعد حاضرا، والذاهب المنقضي الذي لم يعد حاضرا، ثم الحاضر
نفسه. وقد يخطر علي بالنا أن هذا البعد الزمني الأخير هو أقرب الأبعاد إلي الحضور وأنسبها إلي
ه.
ولكننا بذلك نخطيء معني 'الحضور' الذي يتجلي في الأبعاد الثلاثة جميعا، حتي أن 'هيدجر' ل
يذهب إلي أن تبادل العلاقة بينها بحيث تناول العطاء إلي بعضها البعض هو نفسه البعد الرابع لل
زمن.
وإذا كنا نسميه البعد الرابع، فالحقيقة أنه الأول من حيث الموضوع والرتبة.. فهو الذي يحدد
الحضور، ويشد الأبعاد الأخري بعضها إلي بعض أو يباعد ما بينها.
ولهذا تقوم عليه وحدة الزمن التي
نتحدث عنها ، بل أننا لنستطيع أن نسميه 'بالقرب': القرب الذي يقرب بقدر ما يباعد.
فهو يبقي علي
الماضي مفتوحا عندما يحول بينه وبين أن يصبح حاضرا، وهو يدع باب المستقبل مفتوحا ويهييء الحاضر لتلقيه.
وهو قبل هذا كله يجمع بين اتحاد صور الحضور المختلفة في الماضي 'الانقضاء' والمستقبل 'الوصول' وال
حاضر في وحدة واحدة.
علينا إذن ألا نتحدث عن كينونة الزمن أو جوده بل عن عطائه. هذا العطاء يتحدد
بالقرب الذي يمنح ويهييء ويضمن انفتاح مجال الزمن، يحفظ فيه ما فتح من الماضي وحيل بينه وبين أن يصبح
حاضرا وماهييء من المستقبل ليكون حاضرا. وهو بطبعه عطاء ينير ويحجب، يظهر الموجود من حيث يستر الوجود
نفسه.
منذ بدأت الفلسفة وهي تتساءل عن الأصل في الزمن. وكان من الطبيعي أن تهتم في المقام الاول
بالزمن المحسوب الذي يتتابع في آنات متعاقبة.
وعرفت الفلسفة منذ البداية أيضا أن الزمن الذي
نحسبه مستحيل بغير النفس أو الروح أو الوعي، أي مستحيل بغير الإنسان.
ولكن ما معني هذا؟!. هل ال
انسان هو الذي يعطي الزمان أم هو الذي يتلقاه؟!. وإدا كان التلقي هو الأقرب إلي المعقول، فكيف يتلقاه؟!
هل يفعل ذلك 'صدفة' بين الحين والحين؟!
ان الزمن الحقيقي هو القرب الذي يوحد بين أبعاده الثل
اثة ويسلم أحدها للآخر في وحدة حضور حاضر وماض ومستقبل.
والانسان يصبح إنسانا بقدر ما يتعرض لهذا
القرب وينفتح عليه، وبقدر ما يعايشه من داخله أو يواجهه من خارجه.
ليس الزمن من صنع الانسان، ولا
الانسان من صنع الزمن، فليس هنا مجال للصنع أو الصنعة، وإنما هو عطاء بمعني التسليم المنير الذي يتيح كل
حضور في مجال الزمن المفتوح.
قلنا الوجود 'يوجد' كما قلنا الزمان 'يوجد'. وفهمنا الفعل بمعني
الجود والعطاء. والمعطي في الحالين واحد، ولعله شيء متميز، ولكنه يظل غامضا غير محدد، كما نظل ازاءه في
حيرة 'فعبثا نحاول أن نفسر العبارتين علي أساس القضية العادية المؤلفة من موضوع ومحمول، عبثا نفتش عن
المجهول في العبارة الأصلية التي تنطوي علي فاعل لا وجود له'.
وخير ما نفعله الآن أن نفهمه من
ناحية عطائه وأسلوبه في العطاء علي نحو ما تجلي في 'قدر' الوجود و'تسليم' الزمان بالمعني الذي أشرنا
إليه. فالعطاء قدر، والعطاء تسليم منير، وكلاهما متصل بالآخر من حيث أن القدر يقوم علي التسليم. والذي
يجمع بينهما ويحفظ لهما ماهيتهما هو ما يسميه هيدجر بالحدث الذي يتم ويحتجب في نفس الوقت من خلال
هما.
أيكون هذا الحدث هو المعطي الذي تعبنا في البحث عنه؟! لنؤخر هذا السؤال قليلا بحيث نجيب علي
سؤال أسبق منه: ما الحدث؟! ولنعلم قبل الاجابة أن 'الحدث' هنا لا علاقة له بالمعني المألوف للكلمة، ل
أننا لن نفهمه إلا علي ضوء ما قلناه عن الوحدة الجامعة بين 'التقدير والتسليم'، وكلاهما أسلوب عطاء.
بهذا نكون قد اقتربنا من الهدف الذي أخذنا ندور حوله منذ البداية: تحديد الوجود عن طريق ال
زمان.
وبهذا نأتي إلي العبارة الحاسمة التي اجتهدنا في القاء الضوء عليها: 'الوجود حدو
ث'.
هل انتهينا إلي تفسير جديد للوجود يضاف إلي التفسيرات العديدة التي قدمتها الفلسفة للوجود
علي أساس الموجود، كالمثال والفعل والتصور المطلق والارادة؟!
أنكون بهذا قد خطونا خطوة أخري علي
طريق 'الميتافيزيقا' الذي أردنا أن نحولها عنه؟! لن نخشي شيئا من هذا لو فهمنا الوجود بمعني الحضور،
وفهمنا 'الحدوث' بمعني العطاء الذي يكلفه قدر الحضور.
فسوف يكون الوجود أسلوب حدوث ولا يكون ا
لحدوث أسلوب وجود.
ولكن ما معني أن الوجود حدوث؟!
معناه أن الوجود والزمان كليهما يحدثان،
والحدوث عطاء مقدر، والعطاء كما رأينا مرتبط بالتقدير والتسليم، وهذا بالحفظ والحيلولة والتهيئة. 'علي
نحو ما رأينا عند الكلام عن أبعاد الزمان الأربعة'.
أي أن الحدث في نهاية الأمر مرتبط أيضا بما
يسميه هيدجر هنا بالتمنع أو التراجع وما يسميه في مواضع أخري 'بالتستر والاحتجاب'.
ولما كان ا
لوجود * بوصفه حضورا * إنما يعني الانسان ويخاطبه، فان جوهر الانسان يقوم علي الاستجابة له والانصات ل
ندائه، كما يعتمد علي الدخول في المجال الزمني ذي الأبعاد الأربعة الذي يتم فيه الحضور، أي يتحقق العطاء
والتسليم.
ومعني هذا أن الانسان مرتبط بالحدوث * اذ فيه وحدة يعطي الوجود والزمان. بل هو الذي ي
عيد الانسان إلي ماهيته وحقيقته، ولابد له في سبيل هذا أن يتلقي حضور الوجود لأنه يعنيه وحده، وأن يدخل
كما كما قلنا في مجال 'التسليم' الذي هيأه الزمن الحقيقي الموحد ذو الأبعاد الأربعة.
هكذا ي
نتمي الإنسان انتماء أصيلا للحدث، ففيه وحده يعطي الوجود والزمان. ولأن هذا الانتماء يعتمد علي ما يقوم
به الحدث من تأصيل 'أو توحيد' فان الانسان يتصل بالحدث عن هذا الطريق.
بهذا يؤكد هيدجر اننا لن
نستطيع أن نضع الحدث كما لو كان شيئا يواجهنا مواجهة الشيء أو الموضوع. ولن نستطيع أن نتصوره كما لو كان
هو الشامل المحيط بكل شيء. ولهذا أيضا يعجز العقل المفسر عن بلوغه، كما يخفق القول المعبر بالقضايا ال
مألوفة عن الوصول إليه.
هل استطعنا أخيرا أن ندرك طبيعة الحدث؟ هل ساعدنا النظر إلي الوجود 'وق
دره' والزمن 'وتسليمه' علي بلوغ معناه؟ هل اقتنعنا بما يفرضه علي الانسان من واجب ومسئولية؟ أم تمخض
الأمر كله عن بناء فكري كسائر الأبنية التي يزخر بها تاريخ الفلسفة؟ وأن هذه الأسئلة جميعا تفترض أن ال
حدث لابد أن يكون موجودا كسائر الموجودات. والتسليم بهذا الفرض المعكوس أشبه بمحاولة اشتقاق المنبع من
النهر!
ان الحدث ليس 'موجودا' فأقصي ما يمن قوله عنه انه يحدث. قد تبدو هذه العبارة مجرد تحصيل
حاصل. ولو حاكمناها بمقاييس المنطق لما قالت شيئا. حتي إذا جعلناها موضوع التفكير والتأمل تبينا أنها لا
تقول جديدا، وانما تعبر عن شيء قديم قدم الفكر الغربي نفسه، شيء منطو فيما اصطلح الاغريق علي تسميته
'الأليثيا' أي الحقيقة بمعني تجلي الوجود وتكشفه من طوايا التستر والاحتجاب، والتأمل في هذا المعني ا
لأولي لايزال يلزم كل تفكير جاد.
بهذا يكون هيدجر قد حاول التفكير في الوجود بعيدا عن الاهتمام
بالموجود، بعيدا عن الميتافيزيقا التي ما فتيء يبذل المحاولة تلو المحاولة لقهرها وتخطيها لكي يمهد لل
تفكير في الوجود نفسه. ولعله في هذه المحاضرة المتأخرة عن 'الزمان والوجود' قد نفض يديه من الميتافيز
يقا وجرب أن يفكر في الوجود نفسه 'وحدوثه' أو حضوره وظهوره في الزمان. وهكذا وجد نفسه مضطرا للتخلي عن
أرض الميتافيزيقا وطرح لغتها، والبحث عن لغة أخري تعذب في تطويعها للتعبير وعذبنا معه!
لقد أخذ
يزيح العقبات عن طريقه وبقيت العقبة الكبري التي لم يقو عليها: اذ اضطر للكلام بالعبارات والقضايا التق
ليدية عن موضوع لا تصلح له ولا يصلح لها. لأنه ليس في الحقيقة موضوعا بل هو الأساس لكل موضو
ع!
عرضنا فيما سبق رأي فيلسوف معاصر، لم يمض علي موته أكثر من عام، عن الحاضر والحضور. ولاشك أنه
متصل بفلسفة صاحبه عن الوجود، كما ينطوي علي قدر غير قليل من التعسف والغموض، وهو لم يصادف علي كل حال
ما يستحقه من عناية واهتمام لاسيما من أصحاب العقل الذين يعولون عليه في شئون الحساب والقياس والتقدي
ر.
لقد آمنت الأجيال السابقة كما يؤمن الجيل الحاضر بأن العلم الطبيعي والفلسفة المرتبطة به هما
وحدهما القادران علي الكشف عن جوهر الأشياء وتحديد امكانات التجربة، أي أن العقل الذي يحسب ويقيس هو و
حده القادر علي كشف معني الواقع، ولاشك أن معهم الحق في هذا ما بقوا في مجال العلم والعمل وتصريف شئون
التقدم والمعاش.
غير أن الإنسان كان يحس علي الدوام بعالم آخر مختلف تمام الاختلاف تحرك شخصياته
وصوره الوجدان، ويضفي علي الوجود كله كرامة وجلالا ومجدا يعجز عنه البحث العلمي ولا يكاد يعرف عنه شيئ
ا.
ذلك هو عالم 'الشعراء' وعالم 'الأساطير' و'الطقوس' عند الشعوب القديمة والشعوب الفطري
ة.
فلنحاول أن نفسر ظاهرة الحضور من وجهة نظر الشعر والأسطورة والطقوس تفسيرا جدي
دا.
ترددت شكوي الانسان الدائمة * كما رأينا * من زوال وجوده وتناهيه وانقضائه، وليس من المحتمل
أن تتوقف هذه الشكوي، وما ينبغي لها كذلك أن تتوقف. فليس من قبيل الصدفة أن يقول المتنبي:
'صحب
الناس قبلنا ذا الزمانا
عناهم من أمره ما عنانا'
ولم يكن من قبل الصدفة كذلك أن تتردد ش
كوي الزمان علي السنة الحساسين من الأدباء والمنشدين في الحضارات القديمة، غير أن شكوي الانسان كانت تق
ابلها علي الدوام معرفته بما لا يزول أو ينقضي، واحساسه بالأيدي غير الزمني، وشعوره بسكينة مقدسة، أشبه
بصخرة تتدافع حولها أمواج الزمن والصاخب وتحطم عليها.
وقصيدة ليو باردي '1798 * 1837' التي جعل
عنوانها 'اللامحدود' تعبر عن هذه المواجهة بين الأبدي والزماني:
'غاليا علي نفسي كان علي الد
وام هذا التل الموحش
وهذا السياج الذي يسد منافذ الرؤية
من كل جانب من جوانب الأفق البعي
د
غير انني عندما أجلس وأنظر،
تتمثل لفكري الأماكن الشاسعة هناك
والصمت وراءها يف
وق قدرة البشر
والسكينة العميقة العميقة،
فيوشك قلبي أن يتزلزل من الرعب
وكلما
سمعت الريح تعصف بهذه الاغصان
وجدتني أقارن بين الصمت العظيم هناك
وبين هذا الصوت
،
وأتفكر في الأبدي،
في الأزمان التي ماتت ولا تزال الآن حية
وفي الصوت الذي يتردد
منها.
وهكذا يغوص فكري في اللامحدود.
وأشعر بعذوبة الغرق في هذا البحر'.
الانسان
اذن يعيش في الزمن والأبد معا، 'فالروح لها عينان' عين تتطلع للحاضر وتحن الأخري للأبد' كما يقول
أشهر شعراء التصوف عند الألمان، وكلما ازداد حنين عين للأبدية، ازداد تألم العين الأخري لانقضاء الزمن
وزواله، ازداد عذابها بيقين الموت المحتوم' فحتي الجميل يتحتم عليه أن يموت كما يقول 'شيلد'! ان ال
زمان يعيد إلي قبر الماضي كل مولود يولد، بعد أجل موقوت وحضور عابر.
ولقد حرك هذا الشعور * كما
رأينا * وجدان الانسان منذ آلاف السنين، وأراد الكثيرون أن يحولوا أنظارهم عن الزمن كي يتطلعوا إلي ال
أبدية وحدها.
وتنافس الدين والفلسفة في سلب كل قيمة عن الزمني والمنقضي، والبحث عن الحقيقة والو
جود في الأبدي واللازمني، ولقد شعر البعض بالراحة وتنفسوا الصعداء عندما قدمت لهم فلسفة 'كانط' الدليل
تلو الدليل علي أن المكان والزمان لا شأن لهما بوجود الأشياء ذاتها، وانما هما من شأن الطبيعة البشرية،
صورتان قبليتان للحدس أو العيان قائمتان في وجدان الانسان.
ومهما يكن من قوة هذه الادلة أو
ضعفها، فقد احتجت التجربة الحية عند أصحاب الرؤية من الفنانين والشعراء أشد احتجاج علي ما قاله 'كانط'
عن مثالية المكان.
أما مشكلة الزمان، فيبدو أنها كانت ولا تزال أقرب لوجود الانسان وأغني بالأل
غاز.
وهل هناك أشد ايلاما من اليقين بأن كل ما حولنا، ونحن أيضا، سنغوص ذات لحظة في الماضي لنصبح
'خبر كان'؟ أي شيء أبعث علي الحزن من العلم بأن 'الميت' في هذا العالم يزيد ملايين المرات عن 'الح
ي'، وأن وجودنا الذي يمتد الآن بجذوره في الماضي يسرع دون توقف نحو اللحظة التي سيتلاشي فيها
؟!
أليس من حق الانسان أن يلتمس العزاء في حقيقة خالدة لا تمتد إليها يد الفناء، وأن يعد الزمان
ية من علامات النقص في وجوده الأرضي؟!
ألم يعمد الانسان منذ القدم إلي وصف أربابه بالخلود، في ا
لوقت الذي كان يتبين له فيه عجز كل ما هو بشري وتبدده كالدخان!
غير أن هناك نظرة أخري للعلاقة ب
ين الزمن والسرمدية: ان السرمدية نفسها تحضر في الزمان، وأبعاد الزمن الثلاثة يمكن أن تصبح كلها حضورا
سرمديا في أزلية الماضي، وأبدية المستقبل، وخلود اللحظة الحاضرة.
بل ربما وجدنا من 'الشعراء'
من يقول بأن 'الالهي' نفسه في سرمديته محتاج للزمانية وللإنسان، وأن للزمني كرامته ومكانته وثراءه با
لوجود.
لن تنقطع الشكوي إذن من الزوال والانقضاء ولكن لاينبغي لهذه الشكوي أن تتحول إلي اتهام،
فيعمي المتهم عن معجزات الوجود التي يمر بها مرور العابرين، وتغفل عينه عن الحضور الذي يناديه من أعماق
'النهر' الذي 'مضي' ومن وراء 'البحر' الذي أوشك أن يظهر السفين، ومن قلب الواقع الذي يكشف الأقنعة
لكل من يريد أن يري وجهه الخاطف البريق.
وماذا يكون حال الوجود أن خلا من جلال الماضي، وانتظار
المستقبل، ونشوة الحاضر؟ هل يمكن أن تنعكس عليها جميعا روعة الحاضر؟
يقول الشاعر 'شيلر' في حك
مة علي لسان 'كونفوشيوس':
'ثلاثية هي خطوة الزمان:
مترددا يأتي المستقبل علي مه
ل
وفي سرعة السهم طار الآن
والماضي ساكن سكون الأبد'
عرف الناس في كل العصور وال
بلاد أن كل شيء يسرع إلي قبر الماضي، وأن الحاضر عابر والمستقبل مجهول. وتنطق العرافة 'كاساندرا' بل
سان الغيب فتحذرنا من عبث الوجود الأرضي، وذلك في قصيدة 'شيلر' عيد النصر.
'غدا يتهدم كل كي
ان
غدا سيرف رفيف الدخان
وتبقي من الأرض أمجادنا
وتبقي علي الدهر
أربابنا
مخلدة تتحدي الزمان
وحول الجواد ورأس البطل
تحوم الهموم، وحول السفي
ن
ستمضي الحياة ويذوي الأمل
فهيا نعش يومنا يا صحاب!'
ولعل 'شيلر' كان يردد نفس
الدعوة التي عبر عنها قبله شاعر الرومان 'هوراس' عن رغبة الناس في الاستمتاع بيومهم قبل أن يتحسروا ع
ليه:
'بينما يمضي الوقت في الكلام
سيولي العمر الغيور بالفرار
لهذا أقطف يوم
ك'.
ومع ذلك فقد كان الانسان يشعر علي الدوام بأن الماضي لايزال موجودا وأن يكن كل شيء قد انقض
ي. وكانت تجربته العريقة تعلمه ان الماضي لم يزل له وجود 'من حيث هو ماض لا من حيث النتائج التي ترتبت
عليه'.
والأهم من هذا أن الانسان جرب الخلود وعرف الأبد في هذا الماضي. لم تأت تجربته أو علمه
من عالم آخر أو قوة أخري بل جاءت من الزمان نفسه. فاللزامني أو الخالد ليس غريبا عن الزمن كما نتصور، بل
كلاهما متعلق في وجوده بالآخر، وكلاهما ينبع من الآخر باستمرار.
وخطوة الزمن الثلاثية التي ذكرها
'شيلر' في حكمته الشعرية تؤكد لنا بالصورة الموحية ما تعجز مفاهيم العقل علي ايضاحه: 'ان أنواع الوج
ود الثلاثة في خطي الزمان تكشف جميعا عن اللازمني أو السرمدي.
كان يقين الموت المحتوم ولايزال هو
الشاهد القاسي علي أن كل شيء يمضي، وأن كل وجود علي الأرض يفني ويزول. وترددت أقوال الأدباء والمفكرين
التي لا يجدي حصرها عن أن 'ساعة الميلاد هي ساعة الموت'، و'أن الطفل يولد شيخا ناضجا للموت' 'ولما
تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد...'
وعبر 'هيجل' عن هذه الأفكار أفضل
تعبير حين قال علي طريقته:
'ان وجود الأشياء المتناهية، من حيث هو كذلك، ينطوي علي بذرة الفناء
يوصفها وجودها في ذاته، فساعة ميلادها هي ساعة موتها'.
وسرت نقمة الوجود للموت في فلسفة الوجود
المعاصرة مسري النار في الهشيم، تغذيها فظائع حربين عالميتين، وأخطار حرب متوقعة في كل لحظة، وأهوال ال
ظلم والعسف التي تثقل علي صدر عالمنا البائس'.
غير أن هناك صوتا قديما لم يقدر له الارتفاع فوق
هذه الأصوات الناعية المكتئبة، وأن لم يكن أقل منها حرارة ولا صدقا، صوت لا يوافق علي أن الموت هو الرعب
الجاثم فوق صدر الطبيعة، ولا يملأ القلوب بالقلق والقتامة. ولا يزعم أيضا أن الموت هو المحرر الأكبر ال
ذي يفتح لنا أبواب السعادة الأبدية. فليس الماضي في رأيه عدما، ليس شيئا فات وانقضي إلي غير رجعة ولم
تبق منه * أن بقي شيء * سوي آثاره، وانما هو عنده كيان مقدس، لا يقل في الوجود عن الحاضر أو المستقب
ل.
انه يعبر عن تجربة القدماء والأسلاف بأن الاجداد حاضرون في الاحفاد، وأن الماضي ترفعه الذكري
وتصفيه وتعلي قدره.
فالموت وكل ما مات يبعث في النفس الخشوع، وربما صور لنا العلم أو ما نتوهم
انه علم ان ما نسميه بعبادة 'الموتي والاسلاف' شيء تفسره حاجة الانسان وعجزه وخوفه ووحدته في هذا الك
ون. ولكن الشهادة التي يقدمها تاريخ الشعوب من آلاف السنين أقوي من كل دليل. فكم من أساطير وكم من عادات
وتقاليد عريقة قامت علي وجود أولئك الذين عبروا بوابة الموت، وهو وجود رفيع القدر لا يقاس به وجود الأح
ياء.
صحيح أن الأسلاف عند من نسميهم بالشعوب البدائية أو الفطرية قد ماتوا وذهبوا. ولكنهم كأموات
لايزالون موجودين وجودا واقعيا يفوق كل وجود. أنهم يرجعون إليهم في كل احتفال، ويهيبون بهم في كل موقف
تكشف فيه الحياة عن أعماقها الأصيلة: في الموت والميلاد والزواج، في الزرع والصحاد، والخصب والجفاف. هم
الغائبون الحاضرون علي الدوام، وجوههم تطل عليهم، وأصواتهم تباركهم وتشد أزرهم، أو تلعنهم وتحذ
رهم.
هل نحن بحاجة إلي شواهد عن هذه العقيدة الأصلية التي تستند إلي التجربة الأولي للإنسان؟ هل
يكفي أن نذكر أسماء الأبطال وهم حالة واحدة من حالات الفناء الذي يسري قدره علي كل الأشياء وينقلها إلي
وجود آخر هو الذي نسميه الماضي؟!
اليس هذا وجودا ساميا رفيع القدر، يصل عند بعض الشعوب الي رتبة
الوجود الالهي نفسه، وان لم نكد نفهم عنه اليوم شيئا نحن الذين نحيا علي السطح ونلهث وراء المنفعة، ونك
بر من شأن العقل الذي يحسب ويقيس ويغفل عن نبض الواقع الذي اتصل به قلب الانسان منذ القدم؟!
الا
يكفي ان ننظر لحياة الفلاح المصري والعربي، وحياة الكادحين في بلاد النهرين لنري كيف يحددها ويسيطر علي
ها وجود الآباء والاجداد والاولياء بل قبورهم التي لايكفون عن زيارتها والتبرك بها؟
عرفت اساطير
الاغريق عالم الموت السفلي، ونسب شاعر الاوذيسة للاموات وجودا في 'هاديس' اقرب للظلال وان يكن وجودا
علي كل حال، لان الحياة الحقة عنده وعند سائر اليونان هي الحياة تحت الشمس.
ولكن اقدم اساطيرهم
وعقائدهم الشعبية تكرم الموتي وترفعهم الي مصاف الابطال، بحيث اصبحت صورة البطل الالهي جزءا لايتجزأ من
الديانة الاغريقية.
والعهد القديم يصف 'صمويل' الذي بعث حيا من بين الاموات بانه 'الوهيم' اي
بنفس الكلمة العبرية التي تدل علي الله.
اما الرومان فكانوا يحعلون من امواتهم الهة، حتي طغت هذه
العقيدة علي تقاليد الموت عندهم فالاسلاف الذين ماتوا كانوا حاضرين دائما في كل احتفال بدفن الموتي، وك
ان المألوف ان يحمل بعض الممثلين اقنعتهم وشعاراتهم وهم يسيرون خلف جنازتهم بل ان اللغة اللاتينية تصف
الاجداد بأنهم 'العظماء'.
الماضي موجود اذن في عقيدة الانسان وتجربته الاصلية، بل انه ليتحول
في ذاكرة الاحياء ذلك التحول الذي تصفه اشنودة 'ارييل' في مسرحية 'العاصفة' لشكسبير، وهي الاغنية ا
لتي نقشت كلماتها علي قبر الشاعر الغريق 'كيتس' في روما:
'لاشيء منه قد ذوي او شحبا
بل
استحال تحت البحر عجبا
أبهي من الكنز سنا واغرب'.
والاعجب من هذا التحول نفسه هو ماتمخض
عنه، وهو الكلمة كان الشعر هو الثمرة التي ازدهرت علي شجرة الماضي المقدس، كانت الكلمة هي ابنته المق
دسة. وهل كان في مقدور الروح ان تبتدع ما ابدعت من روائع القصيد لو لم يكن للماضي وجود اقوي من كل وجود
؟! الم يكن الشاعر القديم * في ادبنا وادب غيرنا* يفتخر بقدرته علي ان يمنح بغنائه الخلود لمن يشاء، وي
نزل اللعنة الابدية علي من يشاء؟!
اكان من قبيل الصدفة ان تعتز القبيلة العربية بشاعرها الذي يش
يد بامجادها وان يرفع الروما من شأن شاعرهم الذي يصفونه بأسم 'الفاتس' اي الرائي او الملهم والعراف
؟
أيرجع الفضل في هذا الغناء لموهبته الشعرية، ام لقدرته علي استقبال الماضي والاستغال به؟! ألم
يكن هذا الماضي في انتظار من يخلده لاماضي بطل فرد مات، بل الماضي نفسه الذي اصبح له نوع من الوجود الا
لهي؟ ولماذا اصبحت ربات الفن 'الموزاي' عند الاغريق هي اصوات الحقيقة، ولماذا اطلقوا علي اسم امها
'المينموزينه' اي ربة الذاكرة والتذكار، وجعلوها اشد الارباب قربا من زيوس رب الارباب؟! صحيح ان 'ال
موزاي' تتغني ايضا بالحاضر والمستقبل الالهيين، ولكن واجبهن الاسمي هو الارتفاع بالماضي الي بهاء الخل
ود. ولهذا لم يعرفن شيئا عن ظلمة الموت وجهامته. ولهذا ايضا نري الشاعرة 'سافو' تعلم ابنتها ان النواح
حتي علي الاموات غير مباح في حضرة ربات الجمال:
'فالبيت تعبد فيه ربات الجمال
لا يستباح
به النواح
لان هذا لا يليق ولا يقر به السماح!'
ونخطئ لو تصورنا ان الشاعر الحق يتغني
بالجميل والجليل ويخلده لانه شيء فريد فحسب، فعالم الماضي كان يتشابك بالحانه العديدة في اغنية الشاعر
التي نتعلم منها معني الخلود.
في وجود الماضي، وفيه وحده يسطع نور السرمدي، هنا ايضا نجد اصلا من
اصول الخلود الابدي، وهو شيء مختلف كل الاختلاف عن اللازمانية او لانهائية الزمان.
إن طقوس ال
عبادة لدي الشعوب القديمة هي في صميمها طقوس تذكر وتكرار دقيق لما قامت به الآلهة نفسها في الأزمنة ال
سحيقة من اعمال. صحيح ان هذا جانب واحد من حقيقة هذه الآلهة التي تنجلي كذلك* كما سنري فيما بعد* من جهة
الحاضر والمستقبل، لكن الحديث عن الرب الخالد منذ الأزل وتسميته بالأب القديم امر عرفه الاغريق والرومان
'الذين وصفوا الآلهة القديمة بالآباء'، كما هو معروف عند الشعوب الفطرية حتي يومنا الحاضر، مما يؤكد
ان التفكير في الالوهية وفكرة الخلود نفسها مرتبطة بالماضي بأوثق رباط.
وليس من قبيل الصدفة أيضا
ان تصف المسيحية الله بأنه 'الأب'، ولا ان يجمع شاعر أوروبي حديث هو 'جوته' بين هذا التصور المسيحي
وبين اقدم الأساطير والمعتقدات في قصيدته المشهورة التي تذكر الإنسان بالحد والاعتدال، وتحذره من أن يق
رن نفسه بالآلهة:
'عندما يبذر الأب المقدس الموغل في القدم
بيده الساكنة من السحب
الدوارة
بروقا مباركة فوق الأرض.
أقبل طرف ردائه
تجرفني رعشة طفل
تتملك مني
الصدر
بالرهبة والتحنان
اذ لا يخلق بالإنسان
ان يقرن نفسه بالأرباب
فان
ارتفع بنفسه
وبهامته لمس الأنجم
لن يثبت كعباه المرتعشان
في أي مكان
بل
سرعان
ما يصبح لعبة
في كف السحب وكف الريح'.
هذه الملاحظات التي سقناها عن الشعوب
التاريخية القديمة، او شعوب ماقبل التاريخ، تبين لنا ان الانسان كان يحيا في الماضي ويغترف من نبعه ال
اصلي بمقدار ما يزداد قربه من الطبيعة الأم. من هنا استمدت الشعوب القديمة ثباتها وصمودها.
لم ت
كن آلهتها تبشرها بالمستقبل او تحمل لها الوعود، بل كانت تهيها الحقيقة وثراء الاصل.
اما الاتجاه
الحاسم للمستقبل فهو شيء جديد وطاريء. لم تعرفه اوروبا الا في مطلع العصر الحديث.
لقد ظلت تحلم
بالمستقبل وتصوره في 'يوتوبيات' 'مدن مثالية' علي لسان ادبائها ومفكريها منذ عهد أفلاطون وربما قبله
الي يومنا الحاضر. ولكن هل عاشت في حضور المستقبل الذي يتجلي في السرمدية، ام ظلت تحلم بحالة مقبلة تبدو
عليها الاشياء في صورة اكمل سواء اكانت دنيوية او لاهوتية، علمية او اقتصادية؟
لقد بدأ الحلم با
لخلود مع أواخر عهد الديانة اليهودية وتبعته الرؤي المخلفة عن الكايروس او لحظة الخلاص عند نهاية التار
يخ او بدئه من جديد كما تبعته رؤاها عن نهاية العالم، والحساب الاخير، والخلق الجديد.
فلما تبددت
هذه الاحلام ولم ينته العالم ولااكتمل.. ظهرت من جديد في صورة فكرة التقدم التي تحولت اشكالها منذ فل
اسفة التنوير حتي المذاهب الفلسفية والاقتصادية المعاصرة. وابتعد الانسان عن الطبيعة واوغل في الصنع وا
لتصنيع، وفقد القديم خلوده، وزالت عن الماضي قداسته.
رأينا من تجربة الإنسان الاولية في الشعر و
الاسطورة والحس الفطري ان الماضي لايزال حاضرا، وان حضوره يتخذ صورة الوجود الذي يحوطه الشرف والجلال.
ونفس الشيء يمكن ان يقال عن المستقبل فهو حاضر علي الدوام في وجود عجيب يظهر في اشكال وظواهر لاحصر لها،
تفطن أعين البشر الي بعضها، ويختص قليل منهم بكشف السر عن بعضها الآخر. ولقد عرفت الشعوب القديمة ان ال
علم بالمستقبل يحتاج لموهبة او إلهام مخصوص، فراحت تغدق علي أصحاب الرؤية ألوان التكريم والتعظيم. و
هدتها الخبرة الطويلة الي أساليب مختلفة للملاحظة والتفسير والكشف والتنبؤ بما تأتي به الأيام.. ومراقبة
أسراب الطير 'زرقاء اليمامة!' وظواهر الخسوف والكسوف والرعد والبرق واحشاء الذبائح والأضاحي والأوبئة
والحروب والمجالات... الخ عند العرب والاغريق والرومان اشهر من ان نتحدث عنها. والدور الذي يشغله الكاهن
والمتنبيء. والعراف والمنجم والساحر والرائي عند هذه الشعوب او غيرها ولايزال يحتل مكانه في اعماق شعو
رنا اشهر من التعرض له. ومهما يكن من امر التفسيرات والشواهد فانها جميعا تقوم علي هذه الظواهر الاولية
او هذه التجربة الاصلية: للمستقبل علامات واشارات تسبقه، ولا يستطيع فهمها وقراءة حروفها الا الموهوبون
من اصحاب الرؤية والبصيرة وحتي ظواهر 'الكشف' المختلفة التي يدرسها اليوم علماء النفس تشهد بأن المست
قبل حاضر بالفعل وقد ترك آثاره حولنا، مهما تكن ضآلة هذه الآثار.
ان تجربة اللقاء بالمستقبل تثير
في النفس شعورا عجيبا. ليس من الضروري ان يكون هذا المستقبل المتوقع خطيرا، ولان ان يحمل في احشائه ال
نعمة او النقمة فالمهم ان يصبح حقيقة حية. وكلنا يشعر ان فرحة الانتظار اصفي واجمل من سعادة التحقيق. و
كلنا يدعو الله في سره ان يحميه من ألم الرغبات المتحققة، ويحييه علي أمل الوعد والرجاء..
وسعينا
الدائب الي المعرفة يستمد حرارته واخلاصه من وجود المستقبل.. والامل في العدالة والسعادة والمحبة والخي
ر، تجربة يعيش عليها الأدب والفن والفكر والحياة اليومية لأن الانسان بطبيعته حيوان أمل، ولو فرض ان تح
ققت هذه المثل والقيم والآمال لتوقف الزمن وامتنعت الحياة. وستظل كلمة الأديب الناقد الألماني 'ليسنج'
تتردد في الآذان ككل الكلمات الصادقة:
'ليست الحقيقة التي يملكها انسان او يتصور انه يملكها هي
التي تجعل له قيمة، بل الجهد الصادق الذي بذله في التماسها والسعي اليها. فليس تملك الحقيقة هو الذي ي
نمي قواه وطاقته، وانما البحث عنها هو الذي يعمل علي تفتحيها، وفيه وحدة تكمين قدرته علي الاستزادة من
الكمال. ان التملك ليجعل الانسان كسولا ساكنا مغرورا ولو ان الله وضع الحقيقة كلها في يمناه، وترك ال
دافع الوحيد الذي يحرك الانسان الي طلبها في يسراه، ومد نحوي يديه المضمومتين وهو يقول: 'اختر بي
نهما'! لركعت امامه في خشوع وهتفت وأنا أشير الي يسراه، رب! أعطني هذه ! فالحقيقة الخالصة ملكك أنت و
حدك'!
غير أن وجود المستقبل لاينطوي علي الامل والوعد فحسب، بل قد ينذر بالهول والدمار. هنالك
يسيطر علي كيان الانسان بحيث يصبح بصورة من الصور هو هذا الوجود نفسه. كذلك كان العرافون والعرافات 'ا
لسبيلا' والمتنبئون وأصحاب الرؤية، بل كذلك يكون العبقري الذي وصفه 'هلدرلن' في أنشودته عن 'روس
و':
'فروحة تطير كالنسور
لتسبق الرياح والأفواء
معلنة عن موكب الأرباب
وكذلك يكون المنشدون 'والمقدسون' الذين عبر عنهم 'هلدرلن' في قصيدته المعروفة 'خبز ونبيذ'
فحرفتهم هي سبق الزمان ولهذا يسبقون الأقدار العظيمة ويحيون في خدمتها وطاعتها. ولهذا ايضا يستمعون في
حياتهم الحاضرة الي صوت المستقبل:
'الحكمة في شرعتنا أغنية المهد
تغطي العين بليل أق
دس
لكن ما اكثر ما يتوهج
بين السحب الرنانة
صوت اله الزمن يحذر'.
قد يكون
صوت المستقبل متوعدا او واعدا، قد يكون وجوده رائعا او مريعا، فاشارات المستقبل علي الدوام تلفها هالة
الهية، ولهذا كانت وستبقي محفوفة بالرهبة والجلال. وهي تحمل علي كل حال اثرا من آثار 'معجزة الأصل'
و'تجربة المنبع' ولكن هذه المعجزة وهذه المعجزة وهذه التجربة ليستا سرا غيبيا لايفهمه الا الصفوة.
انها ماثلة في الطبيعة المحيطة بنا، وان كانت تحتاج الي العين المندهشة لتراها خلف سطوح الاشي
اء:
في الطفل المولود الذي يختبيء فيها المستقبل وكل ما يحيط به من رهبة ورعشة وامل وخوف، في
ابتسامة الام الشابة التي تبتسم لوليدها فيرتفع بها صفاء الابتسامة من المرأة المحدودة الي الاصل الراسخ
البعيد، الي المرأة والام والربة ايزيس والأرض الأم التي ولدت ابن السماوي وتصبح الأم الصغيرة رمزا للم
يلاد الخارق الذي سجلت به الأسطورة وشعائر الطقوس القديمة رؤيتها للمستقبل في مولد البطل الرب، او الرب
البطل، هكذا تحدث المستقبل منذ القدم للإنسان، هكذا كشف له عن وجهه الرهيب او وجهه الحبيب.
في كل
هذه الرموز والاحوال 'يحضر' المستقبل نقف منه موقف الحب والشوق كما وقفنا من الماضي وقفة الخشوع وال
إشفاق.
صحيح ان شوقنا اليه او اشفاقنا منه لايخلو من الحاجة او المنفعة، والرغبة او الرهبة، ولكن
الشاعر الحق هو الذي يملك الرؤية الخالصة ويتحدث الي المستقبل حديثه لوجود لامحدود يحس دبيب خطواته وي
شعر بنبضه وينفتح علي وجوده ويعين القلوب علي الاحساس به. فالشاعر يسكن سكنا شعريا فوق الأرض، وهذا ال
شاعر الذي اقتبسنا بعض أبياته منذ قليل هو الذي يختتم قصيدته الي العروس بهذه الأبيات:
لاأيها ا
لأحباب!لا! اني لا أحسدكم
فالشعراء يعيشون دون أن يؤذوا أحدا
كما تعيش الزهرة علي النو
ر
وتطيب لهم الحياة علي الصورة الجميلة
حالمين، سعداء، مساكين.
لكن هؤلاء الحالمين
المساكين هم الذين يحيون في ماء النبع الاصلي. وهم الذين يعيشون تجربة الحضور. سواء أكان حضور الماضي ا
لرهيب أم حضور المستقبل المحبوب. وليس هذا مقصورا عليهم او علي واحد منهم ذكرناه، فالاغريق كانوا يحتفون
بالربة 'خاريس' ويعدونها ربة النعمة الماثلة في كل مايزدهر ويوسي بالأمل.
عرفوا انها هي الروح
التي توقظ الغناء، لا بالماضي وخلوده* ومنه يتدفق كل شعر عظيم* بل بالحب والمعرفة بالمستقبل. بحضوره غير
المحدود. وليس من قبيل الصدفة ان كان للعراف والعرافة في أدبهم كل هذا الشأن.
أراد 'زينون' ال
ايلي أن يؤيد فلسفة أستاذه بارمنيدس بكل وسيلة، فراح يثبت بمفارقاته العجيبة أن الزمن يتألف من آنات. و
عبثا حاول 'ديوجينس الكلبي' أن يفند مهزلته الحزينة عندما فك عقدتها برجسون والرياضيون المحدثون* كال
صخرة العنيدة التي يتحطم عليها كل سفين. وبدا كأن الناس لاتجرب حياتها الا في آنات تعقبها آنات، وكأن
صاحبنا القديم قد جمع أبعاد الزمن كلها في هذه 'الآن' لكن الواقع يشهد بأن الانسان يقضي حياته في ال
ماضي او في المستقبل، وان تجربة 'الآن' من التجارب النادرة في حياته، فاذا أراد أن يجرب الحضور الحق
في اللحظة فلابد أن تنبهه الأشياء وتوقظه بقوة، ولابد ان يملك القدرة علي رؤية الأعماق الكامنة وراء ال
سطح والكشف عن الاقنعة التي خلقتها العادة: هنالك يكشف الواقع عن وجهه الملكي او وجهه الالهي.. ولهذا لن
يدهشنا أن نجد المتصوفة من أصحاب الرؤية في الشرق والغرب علي مر العصور هم أول من يحدثنا عن تجربة' ال
حضور الكامل' وعن اللحظة الخالدة او تجربة 'الآن' الخارج عن الزمان.
الطبيعة كتاب مفتوح لكل
من له عين. وكلما ازدادت العين حدة والنظرة نفاذا تفتحت لنا الطبيعة وأعطتنا كل كنوزها غير ان الادراك
الحسي لايكفي، وأعضاء الحس لاتمكننا من ادراك اللب والجوهر، ولاغني لنا عن رؤية الروح كي نتأمل نشاهد ما
لانراه بعين الجسم.
ولابد ان يرتفع وجودنا نحن كي نلمس حقيقته، وكلما ازداد حظنا من العظمة، كشف
لنا العالم عن عظمته. فاللحظة التي تنكشف فيها روعة الواقع هي نفس اللحظة التي ترفع وجودنا الي السمت،
هنالك نتطلع برعشة السعادة المجهولة الي المجهول الرائع وجها لوجه. قد يكون شكلا من اشكال الطبيعة،
حادثا عاديا مما يجري في حياة العالم او حياة الناس، فسيعلن اللامحدود عن نفسه في كل مرة، سندرك الكل
بنظرة واحدة، سيتجلي الإله في كل ماهو أرضي، سيطل علينا في اللحظة السرمدية: اللحظة التي يتوقف عندها ا
لزمن، او التي أوقفت الزمن حتي يتم اللقاء بأنفسنا والاخر..
عندها نجرب الحضور الكامل، الحضور ا
لسرمدي. عندما لايعود 'الحاضر' شكلا من أشكال الزمان ولابعدا من أبعاده، بل الخلود اللازمني الذي أتيح
لنا أن نقبس لمحات من برقه ونلمس ومضات من ناره.
ان كل ماقلناه عن الماضي والمستقبل، ومانقوله ا
لآن عن الحاضر تؤكده تجربة 'جوته' في شيخوخته بعد أن بلغ الثمانين من عمره وكتب أحدي قصائدة الفلسفية
المتأخرة بعنوان 'وصية' '1829':
'النعمة بين يديك، فمتع نفسك بالقسطاس
وليكن العقل
رفيقا لايتخلي عنك،
حيث تسر حياة بحياة
عندئذ يبقي الماضي ويدوم
والمستقبل يصبح ح
يا قبل اوانه
واللحظة تصبح بيت الأبدية'.
ان الحاضر الحق يشبه دائما ان يكون كيننا ينظر
للانسان، عينا تصيب وجوده وتغوص به في أعماق وراء اعماق. ولابد أيضا أن تكون أقصي درجات الحضور هي درجة
'الجذب' أو الوجد* أو ما شاء أن يسميه اصحاب الرؤية من افلوطين الي اليوم!* حين يتم حضور الواقع الحق
وتتعانق 'الأنا' و'الأنت' بحيث لايبقي في النهاية الا الوجود اللانهائي.
ليس من قصدنا أن نط
رق باب هذه الحضرة بكلمات اللغة وتصورات الفهم العاجزة بطبعها عن ولوجه ولن نتخذ موقفا من الخلاف بين
أهل البصيرة حول هذا اللقاء: أهو اثبات للأنا أم اتحادها في الآخر وتلاشيها. فكل مايهمنا هو أن نشير الي
معجزة الحضور في اللحظة الخالدة، حيث يجد الانسان نفسه ويكون لقاء الانا مع الانت هو في نفس الوقت لقاء
الانا مع ذاتها.
في تجربة اللحظة الخالدة يكتمل وجود الإنسان كما يكتمل الوجود نفسه. تبقي نظرة
عين واحدة* كالشمس* تحاول أعيننا أن تتملي فيها حيث نشارك في الابد الخالد او نصبح نحن الأبد الخالد، و
ليس أقدر من 'الحب' علي التعبير عما نعجز عن التعبير عنه. وشواهد الحب ماثلة في حياتنا اليومية مثولها
في قلوب المحبين الخالدين فلننظر الي مايقوله الشاعر 'جوته' علي لسان الحبيبة في قصيدته 'الحبيبة مرة
أخري':
'هكذا وقفت أمامك، كي أتطلع إليك،
ولم أقل شيئا، وماذا كان لي أن أقول
؟
كان كياني كله قد اكتمل في ذاته'.
لقد اعتاد الناس أن يمروا ببعضهم البعض مرور العابر
ين دون أن يري أحدهم الآخر رؤية حقه. ويظل الحال كذلك حتي تصيبهم النظرة الخالدة، ويسطع الحاضر سطوع ال
برق، 'تجربة الحب الحقيقي عند المحبين الحقيقين!' وقل نفس الشيء عن لقائنا المعتاد بالسماء والأرض،
بأشكال الوجود المختلفة، بالأحداث الكبري والصغري: فكلها يمر بنا ويعبرنا، واذا التفتت الينا او التفتنا
اليها، نظرت الينا من خلف قناع. وبينما نحن تاتهون عنها في حلم أو كابوس لا نفيق منه، اذا باللقاء يتم
فجأة، تشرق الحقيقة، يتفتح الوجود، ندخل تجربة الحضور. فاذا توافر للتجربة العمق، ولعين الروح الدهشة و
الصدق، بدا كأن الها يمعن النظر فينا من خلال لقائنا بالأحباب والأعزاء ومختلف الصور والأشكال والأحداث*
مهما تكن ضئيلة او تافهة الشأن في عين الحياة اليومية والعملية.
'كن نفسك'! تلك هي الحكمة التي
لم يكف عن ترديدها الحكماء، وفي 'المواجهة' و'اللقاء' يكون الانسان هو نفسه، وحين يفني في الاخر يك
ون يكليته. والعكس صحيح.
'من عرف نفسه فقد عرف الله'. هكذا يقول الحديث الشريف.
'كوني
انت نفسك اكن لك' هكذا يخاطب الله نفس الانسان علي لسان 'نيقولا الكوزاني' '1401* 163' وعندما يري
الانسان بحق ويخاطب بحق، أي عندما يري الانسان بحق ويخاطب بحق، أي عندما تصيبه نظرة الآخر او كلمته في
الصميم، يصبح هو نفسه. عندئذ يتحول الجسد والروح الي كيانهما الخالد، يستجيبان محضة. عندئذ يتحول الجسد
والروح الي كيانهما الخالد، يستجيبان لحضور كيان رائع. يجد الجسد نفسه فيرقص استجابة لمعجزة الحضور 'ف
ينطلق بالغناء المعبر عن روعة الكيان الذي حل فيه وتملكه كما نجد في الشعر الغنائي عند كبار المحبين
عندنا او عند غيرنا'.
كذلك يخطو الانسان الذي مسته روح الاله وهو يؤدي الطقوس او بالأخري يتركها
تؤدي نفسها فيه. ويصبح هذا الحضور الكامل علامة علي حضور الاله، بالخطوة الخفية، والاشارة الرائعة، وال
ايماءة المهيبة ، بوقفة التعظيم والاجلال. هنا مهد الدراما والشعر البطولي، فلم يكن كلاهما سوي الترحيب
بالاله.
واخيرا نقول ان الحضور ليس مقصورا علي الطقوس وحدها. انه يمتد الي اشكال الوجود وكل موا
قف الوعي الحاسمة في تاريخ الانسان: في فعل الخلق المبدع، في لحظة حسم ثوري، في كل لقاء حق، ساعة يولد
طفل او يحتضر الشيخ، في لحظة العلو فوق الكلي، ولحظة التحدي للفناء والزوال، في لحظة القرار والاختيار،
لحظة استغراق في فضاء الكون الظاهر او الباطن، في خيبة الأمل أو نشوة النصر، فيما نسميه اليوم بالمواقف
الحدية... الخ.
ولقد عبر الادب العظيم ولايزال الي اليوم يعبر عن اشكال الوجود الاصيلة التي
تجسدت قديما في الاسطورة والطقوس.
وكان الشعر وسيظل اقدر من غيره علي التعبير عن تجربة الحضور ا
لسرمدي التي يكشف عنها الماضي والحاضر والمستقبل، وتصبح 'الخطوات الثلاثا' التي تغني بها شيلر ثلاثة
وجوه للخلود والسرمدية. انها لتفقد أشكالها الزمنية التي طالما اختلفت حولها العقول، وطالما اختلفت حول
ها العقول، وطالما حاولت قياسها كما يقاس المكان، ومدت لها حبال الديمومة في التذكر أو الانتظار، ولو ا
لتقي بها الانسان كما ينبغي أن يكون اللقاء لأصبحت كلها حاضرا ممتدا في وعيه، ولأصبح وعيه الباطن هو و
عاء الحاضر السرمدي 'فأن تكون واعيا معناه أن تكون خارج الزمان، علي حد قول اليوت في رباعياته الاربع..
عندئذ يعي الموجود نفسه، كما يتم وعيه بالآخر وبوجوده هو نفسه وكيانه. عندئذ تتكشف له معاني كلمات
نسمعها كل يوم، يثرثر بها معظمنا ويسعي أقلنا الي فهمها والعمل بها. كالحرية، والتفتح، والشخصية، وال
معني، والواجب، والمسئوولية، والخلق، والابداع، والقلق، والشجاعة، والحب، والتفاني، والصدق، والأصالة..
الخ.
عندئذ ترجع النقطة الي البحر الذي انبثقت منه، أو قل تصبح هي البحر، يصبح ماضي العالم وال
انسانية ومستقبلها حاضرا حيا في اللحظة.
عندئد تكشف كل الاقنعة ونسكن بيت الأبدية ، نلمس نور ال
برق الخاطف او يلمسنا.. نحيا اللحظة او تحيانا.
عندئذ تصبح هي الامانة التي عرضت علي السموات وا
لأرض والجبال فأبين ان يحملنها وحملها الانسان.
وعندئذ نلمس السرمدية أو نكون نحن جزءا من ال
سرمدية،، في لحظة وعلي فوق الزمن.
ارجو انو ما كون طولت عليكم
هشام القضاه
اللحظة الخالدة.. و
الحاضر السرمدي
قد لا نستطيع التعبير عن الزمن، سنلجأ لتثبيته في كوادر وإشارات نعلم يقينا أنها
لا تستطيع تعريفه أو تحجيم محيطاته وتدفقها. سيظل لغز الزمن مؤرقا للإنسان مع امتداد وجوده. هذا الوجود
الذي لايقوم ولا يصبح له معني بغير وجودنا. بغير وجود الإنسان. سنظل عاجزين عن الإمساك بلحظة الحاضر، و
ممزقين بين أمل استرجاع الماضي والنفاذ إلي جوهر المستقبل الذي تحيطه هالة إلهية من الرهبة والجلال.. ه
ذه الدراسة العميقة للدكتور عبد الغفار مكاوي أستاذ الفلسفة المبدع، كتبها كتعبير عن قلقه الوجودي، وقد
ضمنها كتابه 'شعر وفكر .. دراسات في الأدب والفلسفة'، الذي صدر عن الهيئة العامة للكتاب ومضي في صمت
شأن أعمال كثيرة جادة فيها يحاول الإجابة عن سؤال الزمن والوجود والسرمدية وارتباطها بالإنسان من خلال
التركيز علي آراء هيد جر ووجهة نظر الشعر والأسطورة ومن خلال عشرات الإشارات التي وردت في أعمال فلاسفة
ومفكرين وكتاب أرهقهم السؤال وألح عليهم في رحلة بحثهم المضنية من الإجابة، وفي سعيهم للقبض علي اللحظة
الزمنية من أجل الوصول إلي هدف أسمي، الخلود!
'الزمن الماضي والزمن الآتي
لا يتيحان إلا
القليل من الوعي
أن تكون واعيا هو ألا تكون في الزمان
لكن في الزمن وحده يمكن للحظة في
حديقة الورد
ولحظة التعريشة التي ينقر عليها المطر،
واللحظة في الكنيسة التي يسري في
ها
تيار الريح عند سقوط الدخان
أن يتذكرها المرء متضمنة الماضي والآتي
عبر الزمن
وحده ينتصر علي الزمن
فقهر الزمان لا يكون إلا خلال الزمان
الحاضر والماضي
ربما ك
انا حاضرا في المستقبل،
وربما كان المستقبل طي الماضي.
لو كان الزمان كله حاضرا سرمدي
ا
لما أمكن استرداد كل الزمان.
ألا أن ما كان يمكن حدوثه لتجريد
يبقي بمثابة الا
مكان الدائم
في عالم من التأمل دون سواه.
ألا أن ما كان يمكن حدوثه وما قد حدث فعل
ا
ليشيرا إلي غاية واحدة
هي حاضر سرمدي...'
ت. س. اليوت
ما لغز الحاضر ا
لذي حير عقل الإنسان وقلبه، منذ أن عاش بين الطقوس والأساطير إلي أن أطلق مركبات الفضاء؟. كيف واجه سره
الذي يتسرب منه كما يتسرب الماء من بين كفيه وكما يفلت الهواء إذا حاول القبض عليه؟!
انه يشعر في
حياته وتجربته اليومية الزمن موجود. فمن منا لا يذكر ماضيه ويحن إليه؟!، من منا لا يحلم بمستقبله ويخطط
له؟!
مع ذلك فهو دائم القلق من زواله، دائم البكاء علي ضياع عمره ومجده، والشكوي من عبث كفاحه و
تعبه. لو أرهفنا السمع قليلا، فربما هزتنا الأنات الآتية من أناشيد المغني الفرعوني الأعمي علي قيثارته،
وزفرات أيوب في العهد القديم ومن قبله 'أيوب البابلي' المبتلي ظلما في الألواح الأربعة التي حملت شكو
اه وعرفت باسم 'لدلول بيل نيميقي' سأمجد رب الحكمة، وحسرات سليمان وداود في المزامير، وبكائيات الشاعر
الجاهلي علي أطلال الأحباب، وأناشيد الجوقة في المسرح الاغريقي، ودعوة هوراس 'اقطف يومك'. ونقوش المق
ابر والمعابد، وربما انتهت الينا لعنات أبي العلاء التي صبها علي الزمان، مختلطة بآهات 'الخيام'
و'دانتي' و 'ليوباردي' و 'هلدرلن' و 'اليوت'..
والانسان يحاول منذ القدم أن يستمهل هذا
الضيف العزيز الذي لايزورنا الا لكي يودعنا، كما يحاول أن يعرف طبيعته، ويحدد موقعه بين ضيف سبقه ولن ي
عود، وضيف سيأتي بعده ولن يقيم.
من منا لايرثي أو يضحك للجهود التي بذلها المفكرون والفلاسفة ل
اصطياد اللحظة الحاضرة التي نحياها ولانمسك بها، ونحاول قياسها وتحديدها فتفلت منا، وتسرع بها دورة الف
لك وعقارب الساعة كالشبح الهارب، بينما تدوم وتتمدد في أعماق الشعور، حتي توشك أن تضم 'الأزل والابد'
في ومضة واحدة؟..
من منا لايحن لهذه اللحظة المواتية العابرة التي دعا أحد حكماء اليونان السبعة
(بيتاكوس) لمعرفة قيمتها والقبض علي خصلات شعرها الذهبية المتدلية من جبينها قبل أن تعبر بنا ونحاول بعد
ذلك أن نجري وراءها لنوقفها فاذا هي صلعاء الرأس من الخلف.
ومن منا لايؤثر عليه سعي 'فاوست' ا
لدائب إلي لحظة الخلود التي يستريح علي صدرها حين يتحد بالمنبع الخالد؟ ومن منا لايتعاطف معه وهو يراه
يجد في البحث عنها في لحظة 'الحب' أو 'المجد' أو 'العمل النافع لشعب حر علي أرض حرة'، فاذا به ي
تعثر في هاوية الخطيئة أو يسقط في حفرة الندم، بينما يتردد هتافه بها:
'تريثي قليلا فما أجملك
؟!'.
ثم من منا لم يعش مع محاولات الفلاسفة لتثبيتها أو إنكارها؟!. من منا لم يدهش لمفارقات
'زينون' الايلي العنيدة التي تلغي الزمان والحركة لتثبت الأبدية؟ ومن منا لايعجب لتساؤلات 'أفلاطون'
عن 'الآن' وجهود 'أرسطو' لتحديدها وجعلها وحدة قياس الزمان، وحيرة 'أوغسطين' أمام سرها حتي هداه
الله إلي أنها 'توتر النفس التي تستجمع الماضي وتتأهب للمستقبل' و 'مواقف المتصوفة' ومواجدهم وأشوا
قهم إلي جعلها بيت السرمدية، واكتشاف 'ديكارت' لضوئها الخاطف وفعلها الحدسي في يقين 'الأنا' وكل يق
ين مترتب عليه، وفي فعل الخلق والحفظ الالهي المتصل للطبيعة والانسان!!
ومن منا لم يهزه جدل 'ك
يركيجارد' المعذب، وهو يفتش عنها داخل الزمان فاذا بها لا 'تتكرر' إلا في 'الأبدية'، والهام 'ني
تشه' المحير بلحظة 'العود الأبدي' التي صعد معها فكره إلي القمة الخطرة ووجدها في لحظة التصميم علي
مفترق الطرق إلي تحقيق الوجود الأصيل، وجمع فيها بين ماض كناه وعلينا أن نكرره فيها، ومستقبل علينا أن
نصر عليه ونحققه فنحقق ذواتنا معه في وجه الموت المتربص المحتوم؟!
كلنا يحس سر الزمن. قد لا نتم
كن من التعبير عنه، ولكنا نحسن بزمانيتنا في كل قول وكل تجربة وكل موقف نمر به. فالزمن قدرنا، والزمن أ
لمنا ويأسنا. وتجربة الانسان بزمانيته هي تجربته الحزينة بزواله وانقضائه وتناهيه. فالزمان شكوي أزلية،
وأغلب الظن أنها ستبقي شكوي أبدية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تسجل شواهد التاريخ والحضارة والدين وا
لفكر والادب هذه الشكوي المرة في صور مختلفة..
لم يكن البحث في سر الزمان عند مفكري اليونان قضية
تفلسف مجرد، بل شعورا مأساويا ودينيا عميقا ترددت فيه أصداء الشكوي القديمة المتجددة. والا فما الذي دفع
'أنكسماندر' في شذرته الوحيدة الباقية إلي القول بأن الأشياء ينبغي أن ترجع لأصلها وأن تكفر عن ذنبها
وفقا لنظام الزمان؟! وما الذي دفع 'زينون' الايلي لالغاء الزمان ومعه التغير والصيرورة؟ ألم يكن هو ا
لبحث عن ملجأ ثابت يتيح للانسان السكينة في حضن الابدية، وتجربة العناق بين الفكر والوجود الذي علمته ا
لربة المجهولة 'أستاذة أستاذه بارمنيدز' أنهما متساويان وثابتان؟
وما الذي جعل 'أفلاطون' يق
ول 'ان الزمان هو صورة الأزل، إن لم يكن هو الفزع من الزمان؟! ثم ما الذي دفع أرسطو والمفكرين من بعده
حتي 'برجسون' إلي 'تمكين' الزمن وقياسه، الا أن يكون هو الخوف من عضة نابه والسعي إلي قيمة أخري
ترتفع فوقه كالفكر الثابت الذي يفكر في نفسه أو الأبد الساكن الذي يتعزي الانسان به ويأمل في
ه.
ان صرخة 'باسكال'، التي ترددت في 'خواطره'، ستظل تطرق أبواب قلوبنا بشدة:
'أري ه
ذا الفضاء الكوني المخيف الذي يحيط بي، وأجد نفسي مقيدا بركن من هذا الامتداد الهائل، دون أن أعرف لماذا
وضعت في هذا الموضع دون سواه، ولا لماذا حددت هذه الفترة الزمنية القصيرة التي قدر لي أن أعيشها في هذه
النقطة بعينها لا في نقطة غيرها من الأزلية التي سبقتني أو الأبدية التي ستأتي بعدي.
لست أري من
كل ناحية الا هذه اللانهايات التي تحبسني وكأنني ذرة وظل لايدوم الا لحظة واحدة بلا عودة'.
وان
'كانط' ليقدم الزمان علي المكان، فيصف الأول بأنه الشرط الصوري القبلي لجميع الظواهر بوجه عام، وهذا
عكس المكان المقصود علي الظواهر الخارجية وحدها، كما يحمل أحد الكتب المؤثرة علي الفكر المعاصر هذا ال
عنوان المهم: 'الوجود والزمان'. ومع أن مشكلة المكان قد لاتقل أهمية عن مشكلة الزمان، بل ربما كانت
أشمل منها وأقدر علي إلقاء الضوء علي طبيعة الانسان وماهيته التي تعلو علي المكان والزمان جميعا، وان ظ
لت أسيرة لها ، علي الرغم من هذا كله فان الحديث عن الزمانية كان علي الدوام هو الحديث عن تناهي الانسان
الذي يظهر في صورته الحادة في زمانيته المنطوية علي فنائه وزواله وموته. ولهذا كان التفكير في الانسان
من حيث هو كائن فان أو 'مائت' مساويا للتفكير فيه من جهة الزمان وفي أفق الزمان. ولهذا أيضا كثر الحد
يث في الفكر المعاصر عن كون الانسان ملقي أو مقذوفا به في هذا العالم، أي في مكان وزمن محددين كل التحد
يد. وهو يعيش فيه وهذا هو أوضح تعبير واقساه عن تناهيه دون أن يدري لماذا يحيا في هذا الزمن لا في زمن
آخر. ولقد عبر 'بسكال' في ختام القطعة السابقة عن هذا أقوي تعبير حين أنهاها بقوله 'بلا عودة' معبرا
بذلك عن واحدية البعد الزمني، وان اتجاهه لا يقبل أن يعكس. فالانسان يشبه ظلالا يدوم إلا لحظة واحدة، ب
لا عودة.
إن السر الأول للزمان هو انه يلتهم كل ما فيه ويلقي به في قبره الذي لايشبع. ولهذا
ارتبط الزمان بالزوال والانقضاء. فالماضي لم يعد له وجود، والمستقبل لم يكن بعد، واذا أقبل فسرعان ما ي
تحول إلي ماض. والماضي والمستقبل كلاهما لا وجود لهما في وجدان الانسان الا من حيث هما حاضر، أي في تذكر
الماضي وتوقع المستقبل. أما الحاضر فلا وجود له في تجربتنا اليومية. كلما مددنا أيدينا للتشبث به، تسربت
منها حبات رمال الزمن (أو 'آناته')، وكلما حاولنا أن نمد في أجل هذه اللحظة الخالية من الامتداد في ل
حظات الصفاء والحب والأنس، أو في لحظات الرعب واليأس روعتنا الحقيقة المحتومة التي تقول ان كل مستقبل ي
صبح فيها ماضيا، وان حاضرها حد وهمي أرق ملمسا من الحد الفاصل بين نقطة البحر والنقطة التي تليها، أو
نسمة الريح والنسمة الرفافة في ذيلها..
ولهذا ربما عذرنا 'أرسطو' الذي أغاظه 'الآن' فأخرجه
من الزمان ليجعله وحدة قياسه...
أنعيش اذا بلا حاضر علي الاطلاق؟ أتكون حياتنا حلما؟ أنخطو علي
الطريق بلا أرض نقف عليها؟! أتكون حياتنا حياة الأسري المغلوبين الذين يتعثرون في الهاوية باستمرار
؟!
اكتب علينا الزوال والانقضاء في كل لحظة من لحظات مدتنا المحدودة، بلا عودة ولا سبيل للرجوع
؟!
أهذه هي نهاية المطاف في تفكيرنا في الانسان؟! ألا يبقي أمامنا الا الاستسلام للبكاء أو الوث
وب فوق جواد الزمن إلي حظيرة 'الأبدية' لنلتمس فيها الخلود والبقاء، ونجفف علي صدرها دموع السفر والش
قاء، أو نتعلل بالسعادة والهناء؟
هنا نبلغ باب السر الثاني للزمن. فنحن زمانيون ولانملك الهروب
من الزمان ولا المكان . ولكننا في نفس الوقت لازمانيون، لا بمعني الخروج من الزمن كما نري في لازمانية
القوانين المنطقية مثلا ولكن بمعني أن الزمن هو المرآة التي نري عليها السرمدية... فنحن قادرون علي ال
مشاركة فيما فوق الزمن، أي في السرمدية ولو للحظات كالبرق الخاطف. ومفهوم السرمدية شيء مختلف عن الزمان
ية، كما يختلف عن الديمومة الزمانية اللامتناهية ويتفوق عليها. والأولي بنا أن نفكر. ان علاقة السرمدية
بالزمان لايمكن أن تتصور تصورا زمانيا، لانها ترتفع فوق الزمان وتشمله بصورة ما.
وسر الزمن ال
ثاني هو قدرته علي أن يتلقي السرمدية فيه. ومادام الانسان بطبعه كائنا زمانيا فانه سيكون كذلك قادرا علي
المشاركة في الأبد والسرمد، بل ربما كان من واجبه أن يسعي إلي هذه المشاركة حتي يكون انسانا بحق... وله
ذا يمكننا القول ان شوكة فنائنا هي خلودنا، لأن الشيء الفاني لن يؤلمه فناؤه، ولأن ما يمكنه أن يحيا فق
ط، سيمكنه أن يموت فقط. أما من يشعر أن كل شيء لابد أن يفني ذات يوم، فإن شعوره هذا يرفعه فوق ذاته وفوق
الكل. كل شيء سينقضي ويزول: أنا وأنت وكل ما يحيط بنا، ولكن فيك وفي شيئا يزيد علي الكل ويختلف عنه، وإ
لا ما عرفنا عنه شيئا..
ولكن بأي معني نفهم قدرة الزمن علي تلقي السرمدية ونفاذها فيه؟! بمعني
أننا بغير هذه القدرة لن نجد أرضا نقف عليها، وأننا ونحن نندفع في مجري الزمان نفسه لن نجد الحاضر الحق،
الحاضر الخالص الذي يهوي إلي وادي الماضي بمجرد وصوله من قمة جبل المستقبل.
إن الحاضر واقع نحياه
دون أن ننتبه اليه في لحظات سنتحدث عنها بعد قليل ونحن نحياه في مجري الزمن وفوق الزمن، لأن السرمدية
تنفذ في الزمن وتضفي عليه الحضور. كما أن الانسان يمكنه بل يجب، عليه أن يستحضرها فيه. فالسرمدية حاضرة
دائما، وهي سبب احساسنا بالحاضر علي الاطلاق. لولاها ما أمكننا أن نقول 'الآن'، فهي التي ترفع الآن ف
وق مجري الزمن العابر . ونحن لانقصد هذا بالمعني الديني والصوفي وحده، بل نقصده بالمعني الفلسفي والحي
اتي، اذ يكفي ان نستغرق في الصلاة لحظات لنحسه، يكفي أن نطالع ما يقوله الكتاب الكريم عن الدار الآخرة،
وما يقوله الانجيل الرابع عن الأبدية، وما يشكو به المزمور التسعون (بالغداة كعشب يزول، بالغداة: يزهر
فيزول، عند المساء يجز فييبس) من زوال بني آدم اذا قورنت حياتهم بأبدية الله.
يكفي هذا كله لنعرف
السرمدية والأبدية، 'فألف سنة عنده كيوم، أمس' هي التي تعطي 'للآن' معناها وواقعها اللانهائي، 'وان
يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون' ..
بهذا تصبح الفلسفة سعيا دائبا إلي الحضور الخالص وقهرا
مستمرا للزمان والزمانية. واذا كان أفلاطون قد علمنا تعريفين أساسيين من تعريفات الفلسفة عندما قال في
أحدهما أنها التأمل الدائم للموت، فمن حقنا أن نغير هذا التعريف (الذي لاينطبق الا علي مرحلة فايدون وما
قبلها!) فنقول ان الفلسفة هي تأمل دائم للحضور الحي. واذا كان قد قال في تعريفه الآخر الذي تبعه فيه فل
اسفة العصر الوسيط من مسلمين ومسيحيين ان الفلسفة هي التشبه بالله بقدر الطاقة فبامكاننا أن نزيده وضوحا
فنقول ان الفلسفة هي جهد دائب لكي يتشبه الكائن الزماني بالكيان السرمدي.
لن نقف عند هذه المعاني
كلها بل سنتجاوزها إلي معني يتصل بوجودنا اليوم كأبناء أمة تسعي إلي اكتشاف هويتها وتحديد مكانها بين ا
لأمم. أمة يعرف المخلصون من أبنائها أنها مهددة بالانقراض والانهيار ان لم تع حاضرها، وتؤد واجب لحظتها،
وتستوعب قيمة ماضيها وتنهض، بأعبائها التي تفرضها عليها فلسفة جديدة حية للتاريخ، أي فلسفة للزمان. الذي
لاغني عنه لفهم التاريخ.
ماذا أقول؟! أأقول اننا اليوم وأينما تلفت فسحب الاخطار تزحف وأهوال ال
تحديات تنادي باليقظة للحاضر الذي ينبغي أن يكرر خير ما في، الماضي من تراث، ويتهيأ لخير ما في المستقبل
من أمل وعمل.
أأقول اننا اليوم نعيش بداية انقراض تلوح نذره، أم نهاية انقراض، بدأنا نتخلص من
آثاره؟!.. لن أستسلم للتفاؤل أو التشاؤم. حسبي أن أدعوك يا قارئي لواجب الحضور الحي وعبء اللحظة الخال
دة. ليست دعوة صوفي، فأنا لم أبلغ أعتاب هذا الشرف،
والعلاقة بين الوعي بالحضور الحي لزمانيتنا
وبين السرمدية 'مقام مهيب غامض'، انما هي دعوة انسان يقدر قيمة اللحظة الحاضرة ويعلم انها الفرصة الو
حيدة للسرمدية، أو بلغة أقرب إلي واقعنا اليومي البائس هي الفرصة الوحيدة لكي 'نكون أو لانكو
ن'..
واذا كانت الأسماء التي تكلمت عن الحضور في اللحظة الخالدة اكثر من أن تحصي أو تعد، واذا
كانت هذه الأسماء تزدحم بها شواهد التصوف والفلسفة والفن والشعر والأساطير والطقوس مما لايجدي معه حصر
للمراجع والنصوص، فلنختر أقصر الطرق وأشدها تواضعا، ولنكتف بالنظر في تأملات فيلسوف معاصر لم يمض علي و
فاته أكثر من عام، نتلوها بخواطر مستمدة من واقع آخر ومجال مختلف قلما ننتبه إليه وهو واقع الشعر والاس
طورة والطقوس، لنختم هذه النظرات بسطور قليلة عن الحضور في اللحظة الخالدة، لحظة نفاذ السرمدية في ال
زمانية، اللحظة التي يتعانقان فيها في لمسة هي أشبه بوميض الشمعة أو لمح البرق فنؤكد وجودنا وحاضرنا في
'الآن'. ونعي ذاتنا حين نتشبث بصخرة اللحظة ونقاوم طوفان الزمان الصاخب، ونثبت اننا جديرون بالنعمة ا
لسرمدية حين نكون أوفياء للحظة، مستعدين لتحمل مشقتها ومسئوليتها استعدادنا لترقب نورها وبريق
ها.
لماذا ارتبط الزمان دائما بالوجود؟ ولماذا لا نفكر في أحدهما دون أن نفكر في الآخر؟! الوجود
منذ فجر الفكر الفلسفي مرادف للحضور. والحضور يكون في أفق الحاضر ويتكلم بصوته. والحاضر في التصور الشا
ئع يعد من الأبعاد الثلاثة التي تلازم تصورنا للزمن الذي يسير علي طريق لا رجوع فيه من ماض إلي حاضر إلي
مستقبل. والماضي في تصورنا الشائع أيضا هو الذي لم يعد له وجود كما أن المستقبل هو الذي لم يوجد
بعد..
ونحن نذكر الزمان حين نقول: لكل شيء زمانه. فكل موجود يأتي عندما يجيء أوانه، ويذهب عندما
يحين حينه ويبقي مدة الزمن التي قدرت له. ولكن هل الوجود شيء؟! هل يشبه الموجودات التي تكون في الزمن؟
وهل الزمان نفسه شيء، أم هو الذي يسع الأشياء والموجودات التي تكون فيه وتفسد، تولد ثم تموت بعضة نابه
؟
عبثا نبحث عن الوجود نفسه بين الموجودات المحيطة بنا، فليس مثلها موجودا زمنيا. ومع ذلك فنحن
نقول انه 'يحضر' في الزمان، يتحدد بكل ما يوجد فيه، يظهر بظهوره ثم لايلبث أن يحتجب ويخفي عنا
سره.
عبثا نحاول أن نلقي الزمان بين الموجودات والأشياء التي تتزمن به وتنتهي فيه. فهو نفسه ليس
موجودا ولاشيئا. انه ينقضي باستمرار، ولكنه في انقضائه يختلف عن كل ما يوجد فيه. والبقاء عكس التلاشي،
أي هو الحضور، والحضور هو أسلوب الوجود.
الوجود والزمان اذن يتحددان بالتبادل، ولكنهما يتحددان
علي نحو لايسمح لنا أن نصف أحدهما وهو الموجود بأنه شيء زمني، ولا أن نتحدث عن الآخر وهو الزمان كما لو
كان أحد الموجودات والأشياء.
هل وقعنا بهذا في شباك العبارات المتناقضة؟ هل نلجأ إلي ما تلجأ ال
يه الفلسفة في مثل هذه الاحوال من تصعيد للتناقض، والجمع بين طرفيه في وحدة أشمل، نسميها بعد ذلك وحدة
جدلية؟! أليست هذه الوحدة التي تهدف للمصالحة بين العبارتين المتناقضتين عن الزمان والوجود، هروبا منهما
معا ومن العلاقة القائمة بينهما؟
وما الطريق الذي نسلكه كي ننظر في موضوع كل منهما علي حدة أعني
في القضية التي يطرحانها أمام الفكر؟ فلنأخذ أنفسنا بالحذر الواجب، ولنواجه هذه القضية. بما يليق بالفكر
من صبر وأناة.
نحن نقول علي الدوام: الوجود يكون، والزمان يكون. فلنجرب تغيير الصيغة اللغوية لن
قول: الوجود يوجد والزمان يوجد (علي أن نفهم من كلمة يوجد معني الجود والعطاء الذي يجمع بينهما ويجود
بهما.
إن الوجود يتيح للموجود أن 'يحضر' ويسمح له بأن يظهر ويكون. وإحضار الموجود بهذا المعني
يساوي إخراجه من التحجب والخفاء إلي الانفتاح والجلاء، ومن ثم يكون الوجود نوعا من العطاء.
غير
أن العطاء لايزال ملفوفا بالظلام، كما اننا لانزال نجهل كل شيء عمن يقوم به. لقد حاولت الميتافيزيقا في
تاريخها كله، منذ بدايتها الساذجة عند طاليس وحتي اكتمالها في فلسفة 'نيتشه' أن تفكر في الوجود من
ناحية الموجود، وتفسره باعتباره الأساس لهذا الأخير. فلنحاول أن نفكر فيه من جهة 'الحضور' والتكشف وا
لظهور، أو كما قلنا الآن من جهة العطاء.
بهذا يتحول معني الوجود، ويصبح العطية أو الهبة التي يج
ود بها الكشف والاظهار من ثنايا التحجب والخفاء وبهذا أيضا يصبح هو الحضور. هذا الوصف للوجود بأنه حضور
ليس بالأمر الذي نقرره من جانبنا أو نختاره بمشئيتنا. لقد تقرر منذ زمن طويل وليس لنا فضل فيه، والتزم
به الانسان منذ طرح سؤاله القدري 'ما هو الوجود' حتي 'حضر' هذا الوجود في تفسيره الأخير له علي هيئة
أقمار صناعية تجوب الفضاء وتدور حول الأرض، ومركبات تغزو القمر والزهرة والمريخ ... الخ.
لقد كان
يحضر في كل مرة في صورة يعبر عنها الانسان بالقوة والفكر، ويلتزم بها في الفعل والسلوك، ويراها ماثلة في
الكائنات المحيطة به والأشياء التي يحيا بالقرب منها ويستخدمها أدوات في شئون معاشه.
هكذا تغيرت
صور الحضور، واختلفت باختلاف المفكرين وتعاقب العصور فكان الحاضر مرة هو 'الواحد'، أو 'اللجوس'، وك
ان هو الجوهر والمثال والفعل، والمونادة، والتصور والارادة، والروح المطلق، وارادة القوة، وارادة ال
ارادة في عودة الشبيه الأبدية..
هذا شيء يشهد عليه التاريخ، حتي لقد طغي الوهم بأن تاريخ صور ال
حضور هو تاريخ الوجود. غير أن تاريخ الوجود شيء مختلف عن تاريخ المدن والحضارات والشعوب، فتاريخية الوج
ود لا تتحدد إلا بكيفية حدوثه، أي بأسلوب عطائه الوهاب، وتكشفه في نفس الوقت الذي يتواري فيه خلف حجاب.
هذا العطاء نوع من 'التقدير' ، والوجود الذي يعطيه هو الذي نصفه بالمقدر.
كل التحولات في صورة
الوجود المعطي هي مراحل في تاريخ الوجود، أو بالأحري تاريخ حدوثه. ومن قدر هذا التاريخ أن تفسيرات الوج
ود عن طريق الموجود كانت تحجب 'قدره' الأصلي شيئا فشيئا، بحيث تواري معني الحضور والعطاء بالتدريج و
أسدل عليه ستار بعد ستار.
ان الارتباط بين الزمان والوجود يشير إلي الأخير بوصفه حضورا، أي إلي
طابعه الزمني. فلنفكر الآن في الزمان لعلنا نهتدي إلي حقيقته.
كلنا يألف كلمة الزمان ويستخدمها
في تصوراته الشائعة علي نحو ما يستخدم كلمة 'الوجود'. ولكن ما أسرع ما نكتشف جهلنا بهما عندما نتصدي
لتحديد معنيهما.
وما أصدق عبارة القديس 'أوغسطين' عن الزمان:
'ان لم يسألني أحد عنه
عرفته، وإذا طلب السائل مني أن أشرحه لم أعرفه'.
يتبين من كلامنا إذن أن الوجود في طابعه المميز
مختلف عن كل ما يتسم به الموجود، وأنه في صميمه عطاء، والعطاء قدر تاريخي أعلن عن نفسه في صور وتحولات
متنوعة.
كما يتبين مما قلناه أن ماهية الزمان لا توضحها التصورات الشائعة عنه، وأن الجمع بينه و
بين الوجود ربما يقربنا منه: فالوجود كما عرفناه حضور أو هو بالأحري اتاحة الحضور.
ونحن لا نكاد
نذكر الحضور حتي نذكر معه الماضي والمستقبل، أي المتقدم والمتأخر بالقياس للآن.
غير أننا إذا
أردنا أن نفهم الزمان من جهة الحاضر، فلابد أن يكون هذا الحاضر هو 'الآن' الذي يختلف عن آن الماضي ال
ذي لم يعد له وجود، وأن المستقبل الذي لم يأت بعد، وإذا كنا لم نتعود علي النظر إلي الزمان من جهة 'حض
ور' الحاضر، فالواقع أننا نتصور الزمان * أي وحدة الحاضر والماضي والمستقبل * علي أساس 'الآن'. وقدي
ما قال أرسطو أن 'الآن' هو ما يكون من الزمان أو يحضر فيه. أما الماضي والمستقبل فهما شيء لا وجود له
* صحيح أنهما ليسا عدما، بل هما وجود أو حضور ينقصه شيء نصفه بأنه هو 'الآن' التي لم يبق لها وجود،
و'الآن' التي لم تأت بعد.
وبهذا يبدو 'الزمان' سلسلة من الآنات المتتابعة، بحيث لا نكاد نذكر
احداها حتي يبتلعها لتوه ويطاردها علي الفور.
هذا 'الزمان' هو الذي يقصده كانط بقوله: 'انه ذو
بعد واحد فحسب وهو الزمان الذي يتألف من آنات متعاقبة، ونعرفه جميعا عندما نخضعه للقياس والحساب، وعندما
نتطلع للساعة، ساعة الحائط أو ساعة اليد، ونراقب عقاربها قبل أن نقول مثلا: الساعة الآن الخامسة وعشر د
قائق. نقول 'الآن' ونعني بها الوقت أو الزمن. ولكننا لن نعثر علي الزمن نفسه مهما قلبنا في الساعة، و
فحصنا آلاتها وفتشنا بين عقاربها!. بل لن نلمس له أثرا مهما حاولنا أن ندقق النظر في أجهزة قياسه الحدي
ثة التي تسمي 'بالكرونومترات'. ولعلنا أن نبتعد عن جوهره الحق كلما أمعنا في هذا البحث.
أين ا
لزمان إذا؟!. أهو موجود؟ ألة مكان يحل فيه؟ أهو وعاء يضم الانات والمكان الذي شبهه أرسطو بوعاء يسع ال
عالم؟!
من الواضح أن الزمان ليس عدما، فكلنا يذكر اسمه، ويشعر بخطاه. فلنجرب أن نظر إليه من جهة
'الوجود'. الذي وصفناه بالحاضر أو الحضور. ولنعلم أن حضور هذا الحاضر مختلف كل الاختلاف عن حضور ال
أبد، بحيث لا يمكن أن يفهم هذا ابتداء من الآن. بل تفهم الآن وتحدد ابتداء منه'.
إذا صح هذا، ف
لابد أن يكون الزمان هو الحاضر بمعني الحضور، ولابد أن يختلف عن تصورنا المألوف له علي هيئة سلسلة من ا
لآنات المتعاقبة التي تخضع للقياس، وإذا صح ما قلناه أيضا من أن الوجود حضور 'تكشف وعطاء' أصبح الحاضر
بقاء وتريثا في مواجهة هذا التكشف والعطاء، كما أصبح 'الإنسان' هو الكائن الوحيد الذي يتلقاه وينتظر
ظهوره، وينفتح عليه ويستجيبله. ولم لم يكن هو الذي يتلقي عليا لدوام هذه العطية لما بلغت إليه، ولبقي ا
لوجود محجوبا مغلقا عليه، بل لما أصبح الإنسان هو الإنسان.
هل ابتعدنا بهذا عن موضوع الزمان و
انصرفنا إلي الانسان؟!.
الواقع أننا لم نبتعد عنه كما نتصور، بل ربما ازددنا اقترابا منه. فطبيعة
الزمان لا تتجلي إلا في الحاضر، بالمعني الذي قصدناه من الحضور، كما أن طبيعة الانسان لا تتحدد إلا عن
طريق التعرض لهذا الحضور وتلقي عطاء الوجود الذي يتجلي له ويتخفي عنه في نفس الوقت. صحيح أنه يخاطبه علي
الدوام. ولكن ما أندر ما 'ينتبه' لصوته، وصحيح أنه معرض لنوره الذي يظهر في هذا الموجود أو ذاك، ولكن
ما أكثر ما ينشغل بظهور الموجود فيغيب عنه نور الوجود!
بيد أن 'الحضور' لا يكون بالضرورة في ا
لحاضر وحده، بل قد يكون فيما انقضي وما هو آت، أي في الماضي والمستقبل. وإذا شئنا الدقة فأن العلاقة ال
متبادلة بين الآتي والمنقضي تتعانق في الحاضر، بل أن الثلاثة جميعا تسلم أيديها إلي بعضها البعض، بحيث
تحضر في وحدة الزمن الواحدة.
ولكن ما الذي تسلمه إلي بعضها البعض؟!
ان هذا الذي تسلمه ليس
إلا الحضور. وهذا الأخير هو الذي يلقي الضوء علي ما نسميه عادة بالمجال الزمني. غير أن الزمن هنا لم يعد
سلسلة من الآنات متعاقبة الحلقات، ولا مسافة فاصلة بين نقطتين آنيتين مما نقيسه ونحسبه عندما نقول علي
سبيل المثال: 'في مجال زمني يبلغ طوله خمسين سنة حدث كيت وكيت'. فالمجال الزمني الذي نقصده الآن هو ا
لانفتاح، أو المجال المفتوح الذي تتحد فيه أبعاد الماضي والحاضر والمستقبل الثلاثة في عناق الحضور والع
طاء، بل هو الذي يسبق ما نسميه بالمجال أو المكان ويجعله ممكنا، كما يسبق كل قياس وحساب للزمن إلي نقط
آنية تتابع في خط ذي بعد واحد.
في هذه الوحدة التي تتلاقي فيها أبعاد الزمن الثلاثي، يحضر كل
منها علي طريقته: الوافد المقبل الذي لم يصبح بعد حاضرا، والذاهب المنقضي الذي لم يعد حاضرا، ثم الحاضر
نفسه. وقد يخطر علي بالنا أن هذا البعد الزمني الأخير هو أقرب الأبعاد إلي الحضور وأنسبها إلي
ه.
ولكننا بذلك نخطيء معني 'الحضور' الذي يتجلي في الأبعاد الثلاثة جميعا، حتي أن 'هيدجر' ل
يذهب إلي أن تبادل العلاقة بينها بحيث تناول العطاء إلي بعضها البعض هو نفسه البعد الرابع لل
زمن.
وإذا كنا نسميه البعد الرابع، فالحقيقة أنه الأول من حيث الموضوع والرتبة.. فهو الذي يحدد
الحضور، ويشد الأبعاد الأخري بعضها إلي بعض أو يباعد ما بينها.
ولهذا تقوم عليه وحدة الزمن التي
نتحدث عنها ، بل أننا لنستطيع أن نسميه 'بالقرب': القرب الذي يقرب بقدر ما يباعد.
فهو يبقي علي
الماضي مفتوحا عندما يحول بينه وبين أن يصبح حاضرا، وهو يدع باب المستقبل مفتوحا ويهييء الحاضر لتلقيه.
وهو قبل هذا كله يجمع بين اتحاد صور الحضور المختلفة في الماضي 'الانقضاء' والمستقبل 'الوصول' وال
حاضر في وحدة واحدة.
علينا إذن ألا نتحدث عن كينونة الزمن أو جوده بل عن عطائه. هذا العطاء يتحدد
بالقرب الذي يمنح ويهييء ويضمن انفتاح مجال الزمن، يحفظ فيه ما فتح من الماضي وحيل بينه وبين أن يصبح
حاضرا وماهييء من المستقبل ليكون حاضرا. وهو بطبعه عطاء ينير ويحجب، يظهر الموجود من حيث يستر الوجود
نفسه.
منذ بدأت الفلسفة وهي تتساءل عن الأصل في الزمن. وكان من الطبيعي أن تهتم في المقام الاول
بالزمن المحسوب الذي يتتابع في آنات متعاقبة.
وعرفت الفلسفة منذ البداية أيضا أن الزمن الذي
نحسبه مستحيل بغير النفس أو الروح أو الوعي، أي مستحيل بغير الإنسان.
ولكن ما معني هذا؟!. هل ال
انسان هو الذي يعطي الزمان أم هو الذي يتلقاه؟!. وإدا كان التلقي هو الأقرب إلي المعقول، فكيف يتلقاه؟!
هل يفعل ذلك 'صدفة' بين الحين والحين؟!
ان الزمن الحقيقي هو القرب الذي يوحد بين أبعاده الثل
اثة ويسلم أحدها للآخر في وحدة حضور حاضر وماض ومستقبل.
والانسان يصبح إنسانا بقدر ما يتعرض لهذا
القرب وينفتح عليه، وبقدر ما يعايشه من داخله أو يواجهه من خارجه.
ليس الزمن من صنع الانسان، ولا
الانسان من صنع الزمن، فليس هنا مجال للصنع أو الصنعة، وإنما هو عطاء بمعني التسليم المنير الذي يتيح كل
حضور في مجال الزمن المفتوح.
قلنا الوجود 'يوجد' كما قلنا الزمان 'يوجد'. وفهمنا الفعل بمعني
الجود والعطاء. والمعطي في الحالين واحد، ولعله شيء متميز، ولكنه يظل غامضا غير محدد، كما نظل ازاءه في
حيرة 'فعبثا نحاول أن نفسر العبارتين علي أساس القضية العادية المؤلفة من موضوع ومحمول، عبثا نفتش عن
المجهول في العبارة الأصلية التي تنطوي علي فاعل لا وجود له'.
وخير ما نفعله الآن أن نفهمه من
ناحية عطائه وأسلوبه في العطاء علي نحو ما تجلي في 'قدر' الوجود و'تسليم' الزمان بالمعني الذي أشرنا
إليه. فالعطاء قدر، والعطاء تسليم منير، وكلاهما متصل بالآخر من حيث أن القدر يقوم علي التسليم. والذي
يجمع بينهما ويحفظ لهما ماهيتهما هو ما يسميه هيدجر بالحدث الذي يتم ويحتجب في نفس الوقت من خلال
هما.
أيكون هذا الحدث هو المعطي الذي تعبنا في البحث عنه؟! لنؤخر هذا السؤال قليلا بحيث نجيب علي
سؤال أسبق منه: ما الحدث؟! ولنعلم قبل الاجابة أن 'الحدث' هنا لا علاقة له بالمعني المألوف للكلمة، ل
أننا لن نفهمه إلا علي ضوء ما قلناه عن الوحدة الجامعة بين 'التقدير والتسليم'، وكلاهما أسلوب عطاء.
بهذا نكون قد اقتربنا من الهدف الذي أخذنا ندور حوله منذ البداية: تحديد الوجود عن طريق ال
زمان.
وبهذا نأتي إلي العبارة الحاسمة التي اجتهدنا في القاء الضوء عليها: 'الوجود حدو
ث'.
هل انتهينا إلي تفسير جديد للوجود يضاف إلي التفسيرات العديدة التي قدمتها الفلسفة للوجود
علي أساس الموجود، كالمثال والفعل والتصور المطلق والارادة؟!
أنكون بهذا قد خطونا خطوة أخري علي
طريق 'الميتافيزيقا' الذي أردنا أن نحولها عنه؟! لن نخشي شيئا من هذا لو فهمنا الوجود بمعني الحضور،
وفهمنا 'الحدوث' بمعني العطاء الذي يكلفه قدر الحضور.
فسوف يكون الوجود أسلوب حدوث ولا يكون ا
لحدوث أسلوب وجود.
ولكن ما معني أن الوجود حدوث؟!
معناه أن الوجود والزمان كليهما يحدثان،
والحدوث عطاء مقدر، والعطاء كما رأينا مرتبط بالتقدير والتسليم، وهذا بالحفظ والحيلولة والتهيئة. 'علي
نحو ما رأينا عند الكلام عن أبعاد الزمان الأربعة'.
أي أن الحدث في نهاية الأمر مرتبط أيضا بما
يسميه هيدجر هنا بالتمنع أو التراجع وما يسميه في مواضع أخري 'بالتستر والاحتجاب'.
ولما كان ا
لوجود * بوصفه حضورا * إنما يعني الانسان ويخاطبه، فان جوهر الانسان يقوم علي الاستجابة له والانصات ل
ندائه، كما يعتمد علي الدخول في المجال الزمني ذي الأبعاد الأربعة الذي يتم فيه الحضور، أي يتحقق العطاء
والتسليم.
ومعني هذا أن الانسان مرتبط بالحدوث * اذ فيه وحدة يعطي الوجود والزمان. بل هو الذي ي
عيد الانسان إلي ماهيته وحقيقته، ولابد له في سبيل هذا أن يتلقي حضور الوجود لأنه يعنيه وحده، وأن يدخل
كما كما قلنا في مجال 'التسليم' الذي هيأه الزمن الحقيقي الموحد ذو الأبعاد الأربعة.
هكذا ي
نتمي الإنسان انتماء أصيلا للحدث، ففيه وحده يعطي الوجود والزمان. ولأن هذا الانتماء يعتمد علي ما يقوم
به الحدث من تأصيل 'أو توحيد' فان الانسان يتصل بالحدث عن هذا الطريق.
بهذا يؤكد هيدجر اننا لن
نستطيع أن نضع الحدث كما لو كان شيئا يواجهنا مواجهة الشيء أو الموضوع. ولن نستطيع أن نتصوره كما لو كان
هو الشامل المحيط بكل شيء. ولهذا أيضا يعجز العقل المفسر عن بلوغه، كما يخفق القول المعبر بالقضايا ال
مألوفة عن الوصول إليه.
هل استطعنا أخيرا أن ندرك طبيعة الحدث؟ هل ساعدنا النظر إلي الوجود 'وق
دره' والزمن 'وتسليمه' علي بلوغ معناه؟ هل اقتنعنا بما يفرضه علي الانسان من واجب ومسئولية؟ أم تمخض
الأمر كله عن بناء فكري كسائر الأبنية التي يزخر بها تاريخ الفلسفة؟ وأن هذه الأسئلة جميعا تفترض أن ال
حدث لابد أن يكون موجودا كسائر الموجودات. والتسليم بهذا الفرض المعكوس أشبه بمحاولة اشتقاق المنبع من
النهر!
ان الحدث ليس 'موجودا' فأقصي ما يمن قوله عنه انه يحدث. قد تبدو هذه العبارة مجرد تحصيل
حاصل. ولو حاكمناها بمقاييس المنطق لما قالت شيئا. حتي إذا جعلناها موضوع التفكير والتأمل تبينا أنها لا
تقول جديدا، وانما تعبر عن شيء قديم قدم الفكر الغربي نفسه، شيء منطو فيما اصطلح الاغريق علي تسميته
'الأليثيا' أي الحقيقة بمعني تجلي الوجود وتكشفه من طوايا التستر والاحتجاب، والتأمل في هذا المعني ا
لأولي لايزال يلزم كل تفكير جاد.
بهذا يكون هيدجر قد حاول التفكير في الوجود بعيدا عن الاهتمام
بالموجود، بعيدا عن الميتافيزيقا التي ما فتيء يبذل المحاولة تلو المحاولة لقهرها وتخطيها لكي يمهد لل
تفكير في الوجود نفسه. ولعله في هذه المحاضرة المتأخرة عن 'الزمان والوجود' قد نفض يديه من الميتافيز
يقا وجرب أن يفكر في الوجود نفسه 'وحدوثه' أو حضوره وظهوره في الزمان. وهكذا وجد نفسه مضطرا للتخلي عن
أرض الميتافيزيقا وطرح لغتها، والبحث عن لغة أخري تعذب في تطويعها للتعبير وعذبنا معه!
لقد أخذ
يزيح العقبات عن طريقه وبقيت العقبة الكبري التي لم يقو عليها: اذ اضطر للكلام بالعبارات والقضايا التق
ليدية عن موضوع لا تصلح له ولا يصلح لها. لأنه ليس في الحقيقة موضوعا بل هو الأساس لكل موضو
ع!
عرضنا فيما سبق رأي فيلسوف معاصر، لم يمض علي موته أكثر من عام، عن الحاضر والحضور. ولاشك أنه
متصل بفلسفة صاحبه عن الوجود، كما ينطوي علي قدر غير قليل من التعسف والغموض، وهو لم يصادف علي كل حال
ما يستحقه من عناية واهتمام لاسيما من أصحاب العقل الذين يعولون عليه في شئون الحساب والقياس والتقدي
ر.
لقد آمنت الأجيال السابقة كما يؤمن الجيل الحاضر بأن العلم الطبيعي والفلسفة المرتبطة به هما
وحدهما القادران علي الكشف عن جوهر الأشياء وتحديد امكانات التجربة، أي أن العقل الذي يحسب ويقيس هو و
حده القادر علي كشف معني الواقع، ولاشك أن معهم الحق في هذا ما بقوا في مجال العلم والعمل وتصريف شئون
التقدم والمعاش.
غير أن الإنسان كان يحس علي الدوام بعالم آخر مختلف تمام الاختلاف تحرك شخصياته
وصوره الوجدان، ويضفي علي الوجود كله كرامة وجلالا ومجدا يعجز عنه البحث العلمي ولا يكاد يعرف عنه شيئ
ا.
ذلك هو عالم 'الشعراء' وعالم 'الأساطير' و'الطقوس' عند الشعوب القديمة والشعوب الفطري
ة.
فلنحاول أن نفسر ظاهرة الحضور من وجهة نظر الشعر والأسطورة والطقوس تفسيرا جدي
دا.
ترددت شكوي الانسان الدائمة * كما رأينا * من زوال وجوده وتناهيه وانقضائه، وليس من المحتمل
أن تتوقف هذه الشكوي، وما ينبغي لها كذلك أن تتوقف. فليس من قبيل الصدفة أن يقول المتنبي:
'صحب
الناس قبلنا ذا الزمانا
عناهم من أمره ما عنانا'
ولم يكن من قبل الصدفة كذلك أن تتردد ش
كوي الزمان علي السنة الحساسين من الأدباء والمنشدين في الحضارات القديمة، غير أن شكوي الانسان كانت تق
ابلها علي الدوام معرفته بما لا يزول أو ينقضي، واحساسه بالأيدي غير الزمني، وشعوره بسكينة مقدسة، أشبه
بصخرة تتدافع حولها أمواج الزمن والصاخب وتحطم عليها.
وقصيدة ليو باردي '1798 * 1837' التي جعل
عنوانها 'اللامحدود' تعبر عن هذه المواجهة بين الأبدي والزماني:
'غاليا علي نفسي كان علي الد
وام هذا التل الموحش
وهذا السياج الذي يسد منافذ الرؤية
من كل جانب من جوانب الأفق البعي
د
غير انني عندما أجلس وأنظر،
تتمثل لفكري الأماكن الشاسعة هناك
والصمت وراءها يف
وق قدرة البشر
والسكينة العميقة العميقة،
فيوشك قلبي أن يتزلزل من الرعب
وكلما
سمعت الريح تعصف بهذه الاغصان
وجدتني أقارن بين الصمت العظيم هناك
وبين هذا الصوت
،
وأتفكر في الأبدي،
في الأزمان التي ماتت ولا تزال الآن حية
وفي الصوت الذي يتردد
منها.
وهكذا يغوص فكري في اللامحدود.
وأشعر بعذوبة الغرق في هذا البحر'.
الانسان
اذن يعيش في الزمن والأبد معا، 'فالروح لها عينان' عين تتطلع للحاضر وتحن الأخري للأبد' كما يقول
أشهر شعراء التصوف عند الألمان، وكلما ازداد حنين عين للأبدية، ازداد تألم العين الأخري لانقضاء الزمن
وزواله، ازداد عذابها بيقين الموت المحتوم' فحتي الجميل يتحتم عليه أن يموت كما يقول 'شيلد'! ان ال
زمان يعيد إلي قبر الماضي كل مولود يولد، بعد أجل موقوت وحضور عابر.
ولقد حرك هذا الشعور * كما
رأينا * وجدان الانسان منذ آلاف السنين، وأراد الكثيرون أن يحولوا أنظارهم عن الزمن كي يتطلعوا إلي ال
أبدية وحدها.
وتنافس الدين والفلسفة في سلب كل قيمة عن الزمني والمنقضي، والبحث عن الحقيقة والو
جود في الأبدي واللازمني، ولقد شعر البعض بالراحة وتنفسوا الصعداء عندما قدمت لهم فلسفة 'كانط' الدليل
تلو الدليل علي أن المكان والزمان لا شأن لهما بوجود الأشياء ذاتها، وانما هما من شأن الطبيعة البشرية،
صورتان قبليتان للحدس أو العيان قائمتان في وجدان الانسان.
ومهما يكن من قوة هذه الادلة أو
ضعفها، فقد احتجت التجربة الحية عند أصحاب الرؤية من الفنانين والشعراء أشد احتجاج علي ما قاله 'كانط'
عن مثالية المكان.
أما مشكلة الزمان، فيبدو أنها كانت ولا تزال أقرب لوجود الانسان وأغني بالأل
غاز.
وهل هناك أشد ايلاما من اليقين بأن كل ما حولنا، ونحن أيضا، سنغوص ذات لحظة في الماضي لنصبح
'خبر كان'؟ أي شيء أبعث علي الحزن من العلم بأن 'الميت' في هذا العالم يزيد ملايين المرات عن 'الح
ي'، وأن وجودنا الذي يمتد الآن بجذوره في الماضي يسرع دون توقف نحو اللحظة التي سيتلاشي فيها
؟!
أليس من حق الانسان أن يلتمس العزاء في حقيقة خالدة لا تمتد إليها يد الفناء، وأن يعد الزمان
ية من علامات النقص في وجوده الأرضي؟!
ألم يعمد الانسان منذ القدم إلي وصف أربابه بالخلود، في ا
لوقت الذي كان يتبين له فيه عجز كل ما هو بشري وتبدده كالدخان!
غير أن هناك نظرة أخري للعلاقة ب
ين الزمن والسرمدية: ان السرمدية نفسها تحضر في الزمان، وأبعاد الزمن الثلاثة يمكن أن تصبح كلها حضورا
سرمديا في أزلية الماضي، وأبدية المستقبل، وخلود اللحظة الحاضرة.
بل ربما وجدنا من 'الشعراء'
من يقول بأن 'الالهي' نفسه في سرمديته محتاج للزمانية وللإنسان، وأن للزمني كرامته ومكانته وثراءه با
لوجود.
لن تنقطع الشكوي إذن من الزوال والانقضاء ولكن لاينبغي لهذه الشكوي أن تتحول إلي اتهام،
فيعمي المتهم عن معجزات الوجود التي يمر بها مرور العابرين، وتغفل عينه عن الحضور الذي يناديه من أعماق
'النهر' الذي 'مضي' ومن وراء 'البحر' الذي أوشك أن يظهر السفين، ومن قلب الواقع الذي يكشف الأقنعة
لكل من يريد أن يري وجهه الخاطف البريق.
وماذا يكون حال الوجود أن خلا من جلال الماضي، وانتظار
المستقبل، ونشوة الحاضر؟ هل يمكن أن تنعكس عليها جميعا روعة الحاضر؟
يقول الشاعر 'شيلر' في حك
مة علي لسان 'كونفوشيوس':
'ثلاثية هي خطوة الزمان:
مترددا يأتي المستقبل علي مه
ل
وفي سرعة السهم طار الآن
والماضي ساكن سكون الأبد'
عرف الناس في كل العصور وال
بلاد أن كل شيء يسرع إلي قبر الماضي، وأن الحاضر عابر والمستقبل مجهول. وتنطق العرافة 'كاساندرا' بل
سان الغيب فتحذرنا من عبث الوجود الأرضي، وذلك في قصيدة 'شيلر' عيد النصر.
'غدا يتهدم كل كي
ان
غدا سيرف رفيف الدخان
وتبقي من الأرض أمجادنا
وتبقي علي الدهر
أربابنا
مخلدة تتحدي الزمان
وحول الجواد ورأس البطل
تحوم الهموم، وحول السفي
ن
ستمضي الحياة ويذوي الأمل
فهيا نعش يومنا يا صحاب!'
ولعل 'شيلر' كان يردد نفس
الدعوة التي عبر عنها قبله شاعر الرومان 'هوراس' عن رغبة الناس في الاستمتاع بيومهم قبل أن يتحسروا ع
ليه:
'بينما يمضي الوقت في الكلام
سيولي العمر الغيور بالفرار
لهذا أقطف يوم
ك'.
ومع ذلك فقد كان الانسان يشعر علي الدوام بأن الماضي لايزال موجودا وأن يكن كل شيء قد انقض
ي. وكانت تجربته العريقة تعلمه ان الماضي لم يزل له وجود 'من حيث هو ماض لا من حيث النتائج التي ترتبت
عليه'.
والأهم من هذا أن الانسان جرب الخلود وعرف الأبد في هذا الماضي. لم تأت تجربته أو علمه
من عالم آخر أو قوة أخري بل جاءت من الزمان نفسه. فاللزامني أو الخالد ليس غريبا عن الزمن كما نتصور، بل
كلاهما متعلق في وجوده بالآخر، وكلاهما ينبع من الآخر باستمرار.
وخطوة الزمن الثلاثية التي ذكرها
'شيلر' في حكمته الشعرية تؤكد لنا بالصورة الموحية ما تعجز مفاهيم العقل علي ايضاحه: 'ان أنواع الوج
ود الثلاثة في خطي الزمان تكشف جميعا عن اللازمني أو السرمدي.
كان يقين الموت المحتوم ولايزال هو
الشاهد القاسي علي أن كل شيء يمضي، وأن كل وجود علي الأرض يفني ويزول. وترددت أقوال الأدباء والمفكرين
التي لا يجدي حصرها عن أن 'ساعة الميلاد هي ساعة الموت'، و'أن الطفل يولد شيخا ناضجا للموت' 'ولما
تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد...'
وعبر 'هيجل' عن هذه الأفكار أفضل
تعبير حين قال علي طريقته:
'ان وجود الأشياء المتناهية، من حيث هو كذلك، ينطوي علي بذرة الفناء
يوصفها وجودها في ذاته، فساعة ميلادها هي ساعة موتها'.
وسرت نقمة الوجود للموت في فلسفة الوجود
المعاصرة مسري النار في الهشيم، تغذيها فظائع حربين عالميتين، وأخطار حرب متوقعة في كل لحظة، وأهوال ال
ظلم والعسف التي تثقل علي صدر عالمنا البائس'.
غير أن هناك صوتا قديما لم يقدر له الارتفاع فوق
هذه الأصوات الناعية المكتئبة، وأن لم يكن أقل منها حرارة ولا صدقا، صوت لا يوافق علي أن الموت هو الرعب
الجاثم فوق صدر الطبيعة، ولا يملأ القلوب بالقلق والقتامة. ولا يزعم أيضا أن الموت هو المحرر الأكبر ال
ذي يفتح لنا أبواب السعادة الأبدية. فليس الماضي في رأيه عدما، ليس شيئا فات وانقضي إلي غير رجعة ولم
تبق منه * أن بقي شيء * سوي آثاره، وانما هو عنده كيان مقدس، لا يقل في الوجود عن الحاضر أو المستقب
ل.
انه يعبر عن تجربة القدماء والأسلاف بأن الاجداد حاضرون في الاحفاد، وأن الماضي ترفعه الذكري
وتصفيه وتعلي قدره.
فالموت وكل ما مات يبعث في النفس الخشوع، وربما صور لنا العلم أو ما نتوهم
انه علم ان ما نسميه بعبادة 'الموتي والاسلاف' شيء تفسره حاجة الانسان وعجزه وخوفه ووحدته في هذا الك
ون. ولكن الشهادة التي يقدمها تاريخ الشعوب من آلاف السنين أقوي من كل دليل. فكم من أساطير وكم من عادات
وتقاليد عريقة قامت علي وجود أولئك الذين عبروا بوابة الموت، وهو وجود رفيع القدر لا يقاس به وجود الأح
ياء.
صحيح أن الأسلاف عند من نسميهم بالشعوب البدائية أو الفطرية قد ماتوا وذهبوا. ولكنهم كأموات
لايزالون موجودين وجودا واقعيا يفوق كل وجود. أنهم يرجعون إليهم في كل احتفال، ويهيبون بهم في كل موقف
تكشف فيه الحياة عن أعماقها الأصيلة: في الموت والميلاد والزواج، في الزرع والصحاد، والخصب والجفاف. هم
الغائبون الحاضرون علي الدوام، وجوههم تطل عليهم، وأصواتهم تباركهم وتشد أزرهم، أو تلعنهم وتحذ
رهم.
هل نحن بحاجة إلي شواهد عن هذه العقيدة الأصلية التي تستند إلي التجربة الأولي للإنسان؟ هل
يكفي أن نذكر أسماء الأبطال وهم حالة واحدة من حالات الفناء الذي يسري قدره علي كل الأشياء وينقلها إلي
وجود آخر هو الذي نسميه الماضي؟!
اليس هذا وجودا ساميا رفيع القدر، يصل عند بعض الشعوب الي رتبة
الوجود الالهي نفسه، وان لم نكد نفهم عنه اليوم شيئا نحن الذين نحيا علي السطح ونلهث وراء المنفعة، ونك
بر من شأن العقل الذي يحسب ويقيس ويغفل عن نبض الواقع الذي اتصل به قلب الانسان منذ القدم؟!
الا
يكفي ان ننظر لحياة الفلاح المصري والعربي، وحياة الكادحين في بلاد النهرين لنري كيف يحددها ويسيطر علي
ها وجود الآباء والاجداد والاولياء بل قبورهم التي لايكفون عن زيارتها والتبرك بها؟
عرفت اساطير
الاغريق عالم الموت السفلي، ونسب شاعر الاوذيسة للاموات وجودا في 'هاديس' اقرب للظلال وان يكن وجودا
علي كل حال، لان الحياة الحقة عنده وعند سائر اليونان هي الحياة تحت الشمس.
ولكن اقدم اساطيرهم
وعقائدهم الشعبية تكرم الموتي وترفعهم الي مصاف الابطال، بحيث اصبحت صورة البطل الالهي جزءا لايتجزأ من
الديانة الاغريقية.
والعهد القديم يصف 'صمويل' الذي بعث حيا من بين الاموات بانه 'الوهيم' اي
بنفس الكلمة العبرية التي تدل علي الله.
اما الرومان فكانوا يحعلون من امواتهم الهة، حتي طغت هذه
العقيدة علي تقاليد الموت عندهم فالاسلاف الذين ماتوا كانوا حاضرين دائما في كل احتفال بدفن الموتي، وك
ان المألوف ان يحمل بعض الممثلين اقنعتهم وشعاراتهم وهم يسيرون خلف جنازتهم بل ان اللغة اللاتينية تصف
الاجداد بأنهم 'العظماء'.
الماضي موجود اذن في عقيدة الانسان وتجربته الاصلية، بل انه ليتحول
في ذاكرة الاحياء ذلك التحول الذي تصفه اشنودة 'ارييل' في مسرحية 'العاصفة' لشكسبير، وهي الاغنية ا
لتي نقشت كلماتها علي قبر الشاعر الغريق 'كيتس' في روما:
'لاشيء منه قد ذوي او شحبا
بل
استحال تحت البحر عجبا
أبهي من الكنز سنا واغرب'.
والاعجب من هذا التحول نفسه هو ماتمخض
عنه، وهو الكلمة كان الشعر هو الثمرة التي ازدهرت علي شجرة الماضي المقدس، كانت الكلمة هي ابنته المق
دسة. وهل كان في مقدور الروح ان تبتدع ما ابدعت من روائع القصيد لو لم يكن للماضي وجود اقوي من كل وجود
؟! الم يكن الشاعر القديم * في ادبنا وادب غيرنا* يفتخر بقدرته علي ان يمنح بغنائه الخلود لمن يشاء، وي
نزل اللعنة الابدية علي من يشاء؟!
اكان من قبيل الصدفة ان تعتز القبيلة العربية بشاعرها الذي يش
يد بامجادها وان يرفع الروما من شأن شاعرهم الذي يصفونه بأسم 'الفاتس' اي الرائي او الملهم والعراف
؟
أيرجع الفضل في هذا الغناء لموهبته الشعرية، ام لقدرته علي استقبال الماضي والاستغال به؟! ألم
يكن هذا الماضي في انتظار من يخلده لاماضي بطل فرد مات، بل الماضي نفسه الذي اصبح له نوع من الوجود الا
لهي؟ ولماذا اصبحت ربات الفن 'الموزاي' عند الاغريق هي اصوات الحقيقة، ولماذا اطلقوا علي اسم امها
'المينموزينه' اي ربة الذاكرة والتذكار، وجعلوها اشد الارباب قربا من زيوس رب الارباب؟! صحيح ان 'ال
موزاي' تتغني ايضا بالحاضر والمستقبل الالهيين، ولكن واجبهن الاسمي هو الارتفاع بالماضي الي بهاء الخل
ود. ولهذا لم يعرفن شيئا عن ظلمة الموت وجهامته. ولهذا ايضا نري الشاعرة 'سافو' تعلم ابنتها ان النواح
حتي علي الاموات غير مباح في حضرة ربات الجمال:
'فالبيت تعبد فيه ربات الجمال
لا يستباح
به النواح
لان هذا لا يليق ولا يقر به السماح!'
ونخطئ لو تصورنا ان الشاعر الحق يتغني
بالجميل والجليل ويخلده لانه شيء فريد فحسب، فعالم الماضي كان يتشابك بالحانه العديدة في اغنية الشاعر
التي نتعلم منها معني الخلود.
في وجود الماضي، وفيه وحده يسطع نور السرمدي، هنا ايضا نجد اصلا من
اصول الخلود الابدي، وهو شيء مختلف كل الاختلاف عن اللازمانية او لانهائية الزمان.
إن طقوس ال
عبادة لدي الشعوب القديمة هي في صميمها طقوس تذكر وتكرار دقيق لما قامت به الآلهة نفسها في الأزمنة ال
سحيقة من اعمال. صحيح ان هذا جانب واحد من حقيقة هذه الآلهة التي تنجلي كذلك* كما سنري فيما بعد* من جهة
الحاضر والمستقبل، لكن الحديث عن الرب الخالد منذ الأزل وتسميته بالأب القديم امر عرفه الاغريق والرومان
'الذين وصفوا الآلهة القديمة بالآباء'، كما هو معروف عند الشعوب الفطرية حتي يومنا الحاضر، مما يؤكد
ان التفكير في الالوهية وفكرة الخلود نفسها مرتبطة بالماضي بأوثق رباط.
وليس من قبيل الصدفة أيضا
ان تصف المسيحية الله بأنه 'الأب'، ولا ان يجمع شاعر أوروبي حديث هو 'جوته' بين هذا التصور المسيحي
وبين اقدم الأساطير والمعتقدات في قصيدته المشهورة التي تذكر الإنسان بالحد والاعتدال، وتحذره من أن يق
رن نفسه بالآلهة:
'عندما يبذر الأب المقدس الموغل في القدم
بيده الساكنة من السحب
الدوارة
بروقا مباركة فوق الأرض.
أقبل طرف ردائه
تجرفني رعشة طفل
تتملك مني
الصدر
بالرهبة والتحنان
اذ لا يخلق بالإنسان
ان يقرن نفسه بالأرباب
فان
ارتفع بنفسه
وبهامته لمس الأنجم
لن يثبت كعباه المرتعشان
في أي مكان
بل
سرعان
ما يصبح لعبة
في كف السحب وكف الريح'.
هذه الملاحظات التي سقناها عن الشعوب
التاريخية القديمة، او شعوب ماقبل التاريخ، تبين لنا ان الانسان كان يحيا في الماضي ويغترف من نبعه ال
اصلي بمقدار ما يزداد قربه من الطبيعة الأم. من هنا استمدت الشعوب القديمة ثباتها وصمودها.
لم ت
كن آلهتها تبشرها بالمستقبل او تحمل لها الوعود، بل كانت تهيها الحقيقة وثراء الاصل.
اما الاتجاه
الحاسم للمستقبل فهو شيء جديد وطاريء. لم تعرفه اوروبا الا في مطلع العصر الحديث.
لقد ظلت تحلم
بالمستقبل وتصوره في 'يوتوبيات' 'مدن مثالية' علي لسان ادبائها ومفكريها منذ عهد أفلاطون وربما قبله
الي يومنا الحاضر. ولكن هل عاشت في حضور المستقبل الذي يتجلي في السرمدية، ام ظلت تحلم بحالة مقبلة تبدو
عليها الاشياء في صورة اكمل سواء اكانت دنيوية او لاهوتية، علمية او اقتصادية؟
لقد بدأ الحلم با
لخلود مع أواخر عهد الديانة اليهودية وتبعته الرؤي المخلفة عن الكايروس او لحظة الخلاص عند نهاية التار
يخ او بدئه من جديد كما تبعته رؤاها عن نهاية العالم، والحساب الاخير، والخلق الجديد.
فلما تبددت
هذه الاحلام ولم ينته العالم ولااكتمل.. ظهرت من جديد في صورة فكرة التقدم التي تحولت اشكالها منذ فل
اسفة التنوير حتي المذاهب الفلسفية والاقتصادية المعاصرة. وابتعد الانسان عن الطبيعة واوغل في الصنع وا
لتصنيع، وفقد القديم خلوده، وزالت عن الماضي قداسته.
رأينا من تجربة الإنسان الاولية في الشعر و
الاسطورة والحس الفطري ان الماضي لايزال حاضرا، وان حضوره يتخذ صورة الوجود الذي يحوطه الشرف والجلال.
ونفس الشيء يمكن ان يقال عن المستقبل فهو حاضر علي الدوام في وجود عجيب يظهر في اشكال وظواهر لاحصر لها،
تفطن أعين البشر الي بعضها، ويختص قليل منهم بكشف السر عن بعضها الآخر. ولقد عرفت الشعوب القديمة ان ال
علم بالمستقبل يحتاج لموهبة او إلهام مخصوص، فراحت تغدق علي أصحاب الرؤية ألوان التكريم والتعظيم. و
هدتها الخبرة الطويلة الي أساليب مختلفة للملاحظة والتفسير والكشف والتنبؤ بما تأتي به الأيام.. ومراقبة
أسراب الطير 'زرقاء اليمامة!' وظواهر الخسوف والكسوف والرعد والبرق واحشاء الذبائح والأضاحي والأوبئة
والحروب والمجالات... الخ عند العرب والاغريق والرومان اشهر من ان نتحدث عنها. والدور الذي يشغله الكاهن
والمتنبيء. والعراف والمنجم والساحر والرائي عند هذه الشعوب او غيرها ولايزال يحتل مكانه في اعماق شعو
رنا اشهر من التعرض له. ومهما يكن من امر التفسيرات والشواهد فانها جميعا تقوم علي هذه الظواهر الاولية
او هذه التجربة الاصلية: للمستقبل علامات واشارات تسبقه، ولا يستطيع فهمها وقراءة حروفها الا الموهوبون
من اصحاب الرؤية والبصيرة وحتي ظواهر 'الكشف' المختلفة التي يدرسها اليوم علماء النفس تشهد بأن المست
قبل حاضر بالفعل وقد ترك آثاره حولنا، مهما تكن ضآلة هذه الآثار.
ان تجربة اللقاء بالمستقبل تثير
في النفس شعورا عجيبا. ليس من الضروري ان يكون هذا المستقبل المتوقع خطيرا، ولان ان يحمل في احشائه ال
نعمة او النقمة فالمهم ان يصبح حقيقة حية. وكلنا يشعر ان فرحة الانتظار اصفي واجمل من سعادة التحقيق. و
كلنا يدعو الله في سره ان يحميه من ألم الرغبات المتحققة، ويحييه علي أمل الوعد والرجاء..
وسعينا
الدائب الي المعرفة يستمد حرارته واخلاصه من وجود المستقبل.. والامل في العدالة والسعادة والمحبة والخي
ر، تجربة يعيش عليها الأدب والفن والفكر والحياة اليومية لأن الانسان بطبيعته حيوان أمل، ولو فرض ان تح
ققت هذه المثل والقيم والآمال لتوقف الزمن وامتنعت الحياة. وستظل كلمة الأديب الناقد الألماني 'ليسنج'
تتردد في الآذان ككل الكلمات الصادقة:
'ليست الحقيقة التي يملكها انسان او يتصور انه يملكها هي
التي تجعل له قيمة، بل الجهد الصادق الذي بذله في التماسها والسعي اليها. فليس تملك الحقيقة هو الذي ي
نمي قواه وطاقته، وانما البحث عنها هو الذي يعمل علي تفتحيها، وفيه وحدة تكمين قدرته علي الاستزادة من
الكمال. ان التملك ليجعل الانسان كسولا ساكنا مغرورا ولو ان الله وضع الحقيقة كلها في يمناه، وترك ال
دافع الوحيد الذي يحرك الانسان الي طلبها في يسراه، ومد نحوي يديه المضمومتين وهو يقول: 'اختر بي
نهما'! لركعت امامه في خشوع وهتفت وأنا أشير الي يسراه، رب! أعطني هذه ! فالحقيقة الخالصة ملكك أنت و
حدك'!
غير أن وجود المستقبل لاينطوي علي الامل والوعد فحسب، بل قد ينذر بالهول والدمار. هنالك
يسيطر علي كيان الانسان بحيث يصبح بصورة من الصور هو هذا الوجود نفسه. كذلك كان العرافون والعرافات 'ا
لسبيلا' والمتنبئون وأصحاب الرؤية، بل كذلك يكون العبقري الذي وصفه 'هلدرلن' في أنشودته عن 'روس
و':
'فروحة تطير كالنسور
لتسبق الرياح والأفواء
معلنة عن موكب الأرباب
وكذلك يكون المنشدون 'والمقدسون' الذين عبر عنهم 'هلدرلن' في قصيدته المعروفة 'خبز ونبيذ'
فحرفتهم هي سبق الزمان ولهذا يسبقون الأقدار العظيمة ويحيون في خدمتها وطاعتها. ولهذا ايضا يستمعون في
حياتهم الحاضرة الي صوت المستقبل:
'الحكمة في شرعتنا أغنية المهد
تغطي العين بليل أق
دس
لكن ما اكثر ما يتوهج
بين السحب الرنانة
صوت اله الزمن يحذر'.
قد يكون
صوت المستقبل متوعدا او واعدا، قد يكون وجوده رائعا او مريعا، فاشارات المستقبل علي الدوام تلفها هالة
الهية، ولهذا كانت وستبقي محفوفة بالرهبة والجلال. وهي تحمل علي كل حال اثرا من آثار 'معجزة الأصل'
و'تجربة المنبع' ولكن هذه المعجزة وهذه المعجزة وهذه التجربة ليستا سرا غيبيا لايفهمه الا الصفوة.
انها ماثلة في الطبيعة المحيطة بنا، وان كانت تحتاج الي العين المندهشة لتراها خلف سطوح الاشي
اء:
في الطفل المولود الذي يختبيء فيها المستقبل وكل ما يحيط به من رهبة ورعشة وامل وخوف، في
ابتسامة الام الشابة التي تبتسم لوليدها فيرتفع بها صفاء الابتسامة من المرأة المحدودة الي الاصل الراسخ
البعيد، الي المرأة والام والربة ايزيس والأرض الأم التي ولدت ابن السماوي وتصبح الأم الصغيرة رمزا للم
يلاد الخارق الذي سجلت به الأسطورة وشعائر الطقوس القديمة رؤيتها للمستقبل في مولد البطل الرب، او الرب
البطل، هكذا تحدث المستقبل منذ القدم للإنسان، هكذا كشف له عن وجهه الرهيب او وجهه الحبيب.
في كل
هذه الرموز والاحوال 'يحضر' المستقبل نقف منه موقف الحب والشوق كما وقفنا من الماضي وقفة الخشوع وال
إشفاق.
صحيح ان شوقنا اليه او اشفاقنا منه لايخلو من الحاجة او المنفعة، والرغبة او الرهبة، ولكن
الشاعر الحق هو الذي يملك الرؤية الخالصة ويتحدث الي المستقبل حديثه لوجود لامحدود يحس دبيب خطواته وي
شعر بنبضه وينفتح علي وجوده ويعين القلوب علي الاحساس به. فالشاعر يسكن سكنا شعريا فوق الأرض، وهذا ال
شاعر الذي اقتبسنا بعض أبياته منذ قليل هو الذي يختتم قصيدته الي العروس بهذه الأبيات:
لاأيها ا
لأحباب!لا! اني لا أحسدكم
فالشعراء يعيشون دون أن يؤذوا أحدا
كما تعيش الزهرة علي النو
ر
وتطيب لهم الحياة علي الصورة الجميلة
حالمين، سعداء، مساكين.
لكن هؤلاء الحالمين
المساكين هم الذين يحيون في ماء النبع الاصلي. وهم الذين يعيشون تجربة الحضور. سواء أكان حضور الماضي ا
لرهيب أم حضور المستقبل المحبوب. وليس هذا مقصورا عليهم او علي واحد منهم ذكرناه، فالاغريق كانوا يحتفون
بالربة 'خاريس' ويعدونها ربة النعمة الماثلة في كل مايزدهر ويوسي بالأمل.
عرفوا انها هي الروح
التي توقظ الغناء، لا بالماضي وخلوده* ومنه يتدفق كل شعر عظيم* بل بالحب والمعرفة بالمستقبل. بحضوره غير
المحدود. وليس من قبيل الصدفة ان كان للعراف والعرافة في أدبهم كل هذا الشأن.
أراد 'زينون' ال
ايلي أن يؤيد فلسفة أستاذه بارمنيدس بكل وسيلة، فراح يثبت بمفارقاته العجيبة أن الزمن يتألف من آنات. و
عبثا حاول 'ديوجينس الكلبي' أن يفند مهزلته الحزينة عندما فك عقدتها برجسون والرياضيون المحدثون* كال
صخرة العنيدة التي يتحطم عليها كل سفين. وبدا كأن الناس لاتجرب حياتها الا في آنات تعقبها آنات، وكأن
صاحبنا القديم قد جمع أبعاد الزمن كلها في هذه 'الآن' لكن الواقع يشهد بأن الانسان يقضي حياته في ال
ماضي او في المستقبل، وان تجربة 'الآن' من التجارب النادرة في حياته، فاذا أراد أن يجرب الحضور الحق
في اللحظة فلابد أن تنبهه الأشياء وتوقظه بقوة، ولابد ان يملك القدرة علي رؤية الأعماق الكامنة وراء ال
سطح والكشف عن الاقنعة التي خلقتها العادة: هنالك يكشف الواقع عن وجهه الملكي او وجهه الالهي.. ولهذا لن
يدهشنا أن نجد المتصوفة من أصحاب الرؤية في الشرق والغرب علي مر العصور هم أول من يحدثنا عن تجربة' ال
حضور الكامل' وعن اللحظة الخالدة او تجربة 'الآن' الخارج عن الزمان.
الطبيعة كتاب مفتوح لكل
من له عين. وكلما ازدادت العين حدة والنظرة نفاذا تفتحت لنا الطبيعة وأعطتنا كل كنوزها غير ان الادراك
الحسي لايكفي، وأعضاء الحس لاتمكننا من ادراك اللب والجوهر، ولاغني لنا عن رؤية الروح كي نتأمل نشاهد ما
لانراه بعين الجسم.
ولابد ان يرتفع وجودنا نحن كي نلمس حقيقته، وكلما ازداد حظنا من العظمة، كشف
لنا العالم عن عظمته. فاللحظة التي تنكشف فيها روعة الواقع هي نفس اللحظة التي ترفع وجودنا الي السمت،
هنالك نتطلع برعشة السعادة المجهولة الي المجهول الرائع وجها لوجه. قد يكون شكلا من اشكال الطبيعة،
حادثا عاديا مما يجري في حياة العالم او حياة الناس، فسيعلن اللامحدود عن نفسه في كل مرة، سندرك الكل
بنظرة واحدة، سيتجلي الإله في كل ماهو أرضي، سيطل علينا في اللحظة السرمدية: اللحظة التي يتوقف عندها ا
لزمن، او التي أوقفت الزمن حتي يتم اللقاء بأنفسنا والاخر..
عندها نجرب الحضور الكامل، الحضور ا
لسرمدي. عندما لايعود 'الحاضر' شكلا من أشكال الزمان ولابعدا من أبعاده، بل الخلود اللازمني الذي أتيح
لنا أن نقبس لمحات من برقه ونلمس ومضات من ناره.
ان كل ماقلناه عن الماضي والمستقبل، ومانقوله ا
لآن عن الحاضر تؤكده تجربة 'جوته' في شيخوخته بعد أن بلغ الثمانين من عمره وكتب أحدي قصائدة الفلسفية
المتأخرة بعنوان 'وصية' '1829':
'النعمة بين يديك، فمتع نفسك بالقسطاس
وليكن العقل
رفيقا لايتخلي عنك،
حيث تسر حياة بحياة
عندئذ يبقي الماضي ويدوم
والمستقبل يصبح ح
يا قبل اوانه
واللحظة تصبح بيت الأبدية'.
ان الحاضر الحق يشبه دائما ان يكون كيننا ينظر
للانسان، عينا تصيب وجوده وتغوص به في أعماق وراء اعماق. ولابد أيضا أن تكون أقصي درجات الحضور هي درجة
'الجذب' أو الوجد* أو ما شاء أن يسميه اصحاب الرؤية من افلوطين الي اليوم!* حين يتم حضور الواقع الحق
وتتعانق 'الأنا' و'الأنت' بحيث لايبقي في النهاية الا الوجود اللانهائي.
ليس من قصدنا أن نط
رق باب هذه الحضرة بكلمات اللغة وتصورات الفهم العاجزة بطبعها عن ولوجه ولن نتخذ موقفا من الخلاف بين
أهل البصيرة حول هذا اللقاء: أهو اثبات للأنا أم اتحادها في الآخر وتلاشيها. فكل مايهمنا هو أن نشير الي
معجزة الحضور في اللحظة الخالدة، حيث يجد الانسان نفسه ويكون لقاء الانا مع الانت هو في نفس الوقت لقاء
الانا مع ذاتها.
في تجربة اللحظة الخالدة يكتمل وجود الإنسان كما يكتمل الوجود نفسه. تبقي نظرة
عين واحدة* كالشمس* تحاول أعيننا أن تتملي فيها حيث نشارك في الابد الخالد او نصبح نحن الأبد الخالد، و
ليس أقدر من 'الحب' علي التعبير عما نعجز عن التعبير عنه. وشواهد الحب ماثلة في حياتنا اليومية مثولها
في قلوب المحبين الخالدين فلننظر الي مايقوله الشاعر 'جوته' علي لسان الحبيبة في قصيدته 'الحبيبة مرة
أخري':
'هكذا وقفت أمامك، كي أتطلع إليك،
ولم أقل شيئا، وماذا كان لي أن أقول
؟
كان كياني كله قد اكتمل في ذاته'.
لقد اعتاد الناس أن يمروا ببعضهم البعض مرور العابر
ين دون أن يري أحدهم الآخر رؤية حقه. ويظل الحال كذلك حتي تصيبهم النظرة الخالدة، ويسطع الحاضر سطوع ال
برق، 'تجربة الحب الحقيقي عند المحبين الحقيقين!' وقل نفس الشيء عن لقائنا المعتاد بالسماء والأرض،
بأشكال الوجود المختلفة، بالأحداث الكبري والصغري: فكلها يمر بنا ويعبرنا، واذا التفتت الينا او التفتنا
اليها، نظرت الينا من خلف قناع. وبينما نحن تاتهون عنها في حلم أو كابوس لا نفيق منه، اذا باللقاء يتم
فجأة، تشرق الحقيقة، يتفتح الوجود، ندخل تجربة الحضور. فاذا توافر للتجربة العمق، ولعين الروح الدهشة و
الصدق، بدا كأن الها يمعن النظر فينا من خلال لقائنا بالأحباب والأعزاء ومختلف الصور والأشكال والأحداث*
مهما تكن ضئيلة او تافهة الشأن في عين الحياة اليومية والعملية.
'كن نفسك'! تلك هي الحكمة التي
لم يكف عن ترديدها الحكماء، وفي 'المواجهة' و'اللقاء' يكون الانسان هو نفسه، وحين يفني في الاخر يك
ون يكليته. والعكس صحيح.
'من عرف نفسه فقد عرف الله'. هكذا يقول الحديث الشريف.
'كوني
انت نفسك اكن لك' هكذا يخاطب الله نفس الانسان علي لسان 'نيقولا الكوزاني' '1401* 163' وعندما يري
الانسان بحق ويخاطب بحق، أي عندما يري الانسان بحق ويخاطب بحق، أي عندما تصيبه نظرة الآخر او كلمته في
الصميم، يصبح هو نفسه. عندئذ يتحول الجسد والروح الي كيانهما الخالد، يستجيبان محضة. عندئذ يتحول الجسد
والروح الي كيانهما الخالد، يستجيبان لحضور كيان رائع. يجد الجسد نفسه فيرقص استجابة لمعجزة الحضور 'ف
ينطلق بالغناء المعبر عن روعة الكيان الذي حل فيه وتملكه كما نجد في الشعر الغنائي عند كبار المحبين
عندنا او عند غيرنا'.
كذلك يخطو الانسان الذي مسته روح الاله وهو يؤدي الطقوس او بالأخري يتركها
تؤدي نفسها فيه. ويصبح هذا الحضور الكامل علامة علي حضور الاله، بالخطوة الخفية، والاشارة الرائعة، وال
ايماءة المهيبة ، بوقفة التعظيم والاجلال. هنا مهد الدراما والشعر البطولي، فلم يكن كلاهما سوي الترحيب
بالاله.
واخيرا نقول ان الحضور ليس مقصورا علي الطقوس وحدها. انه يمتد الي اشكال الوجود وكل موا
قف الوعي الحاسمة في تاريخ الانسان: في فعل الخلق المبدع، في لحظة حسم ثوري، في كل لقاء حق، ساعة يولد
طفل او يحتضر الشيخ، في لحظة العلو فوق الكلي، ولحظة التحدي للفناء والزوال، في لحظة القرار والاختيار،
لحظة استغراق في فضاء الكون الظاهر او الباطن، في خيبة الأمل أو نشوة النصر، فيما نسميه اليوم بالمواقف
الحدية... الخ.
ولقد عبر الادب العظيم ولايزال الي اليوم يعبر عن اشكال الوجود الاصيلة التي
تجسدت قديما في الاسطورة والطقوس.
وكان الشعر وسيظل اقدر من غيره علي التعبير عن تجربة الحضور ا
لسرمدي التي يكشف عنها الماضي والحاضر والمستقبل، وتصبح 'الخطوات الثلاثا' التي تغني بها شيلر ثلاثة
وجوه للخلود والسرمدية. انها لتفقد أشكالها الزمنية التي طالما اختلفت حولها العقول، وطالما اختلفت حول
ها العقول، وطالما حاولت قياسها كما يقاس المكان، ومدت لها حبال الديمومة في التذكر أو الانتظار، ولو ا
لتقي بها الانسان كما ينبغي أن يكون اللقاء لأصبحت كلها حاضرا ممتدا في وعيه، ولأصبح وعيه الباطن هو و
عاء الحاضر السرمدي 'فأن تكون واعيا معناه أن تكون خارج الزمان، علي حد قول اليوت في رباعياته الاربع..
عندئذ يعي الموجود نفسه، كما يتم وعيه بالآخر وبوجوده هو نفسه وكيانه. عندئذ تتكشف له معاني كلمات
نسمعها كل يوم، يثرثر بها معظمنا ويسعي أقلنا الي فهمها والعمل بها. كالحرية، والتفتح، والشخصية، وال
معني، والواجب، والمسئوولية، والخلق، والابداع، والقلق، والشجاعة، والحب، والتفاني، والصدق، والأصالة..
الخ.
عندئذ ترجع النقطة الي البحر الذي انبثقت منه، أو قل تصبح هي البحر، يصبح ماضي العالم وال
انسانية ومستقبلها حاضرا حيا في اللحظة.
عندئد تكشف كل الاقنعة ونسكن بيت الأبدية ، نلمس نور ال
برق الخاطف او يلمسنا.. نحيا اللحظة او تحيانا.
عندئذ تصبح هي الامانة التي عرضت علي السموات وا
لأرض والجبال فأبين ان يحملنها وحملها الانسان.
وعندئذ نلمس السرمدية أو نكون نحن جزءا من ال
سرمدية،، في لحظة وعلي فوق الزمن.
ارجو انو ما كون طولت عليكم
هشام القضاه