رهف
11-20-2006, 11:39 مساء
دمرت الحرب العالمية الأولى أوروبا، ولكن نيويورك حلت محل لندن كعاصمة مالية للعالم، وازدهر الاقتصاد الأميركي فيما كان منافسو الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي يكافحون اقتصاديا. وتحدّت رؤيا الرئيس وودرو ولسون لوجود عالم سلمي وديمقراطي ويتمتع بالتجارة الحرة النظام القديم للإمبراطوريات الأوروبية المتنافسة، ولكنها فشلت وسط سياسة عالم ما بعد الحرب، سواء في الولايات المتحدة أو في الخارج. وأكد المؤرخ وارين كوهين أن الولايات المتحدة اختارت بدلا من ذلك بين الحربين العالميتين سياسة خارجية مبنية على "إمبراطورية من دون دموع": أي هيمنة الأسواق العالمية بحد أدنى من الالتزامات العسكرية والسياسية. واعتبر السياسيون الإنعزاليون في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي التدخل في الحرب خطأ يشجعه أصحاب مصانع الأسلحة الجشعين لجني الأرباح من تجارة الحرب، وأقر الكونغرس سلسلة من قوانين الحياد ليضمن أن التجارة لن تجر البلاد إلى الحرب من جديد.
وأعادت "إمبراطورية من دون دموع" إلى الأذهان أيام راحة البال للازدهار الاستعماري بعيدا عن مراقبة بريطانيا. إلا أن الإهمال الحميد لم ينجح في عالم كان المتطرفون في ألمانيا واليابان يطمحون في الهيمنة عليه. وكان الرئيس جورج واشنطن قد حذر الجمهورية الفتية في أواخر القرن الثامن عشر بالابتعاد عن الإمبراطوريات الأوروبية المتحاربة، إلا ان الولايات المتحدة الآن تملك القوة، المتأصلة في القوة الاقتصادية، لضمان عدم تحدي الإمبراطوريات الطموحة لمصالحها العالمية. ورغم الانعزال الطويل الأمد في البلاد، فقد أعلن الرئيس فرانكلين روزفلت أكبر ميزانية دفاع في زمن السلم في شهر كانون الثاني/ يناير 1939. وفي شهر آذار/ مارس 1941، أي قبل أشهر من الهجوم الياباني على بيرل هاربر، تعهدت الولايات المتحدة باستخدام قوتها الاقتصادية لسحق دول المحور في قانون التأجير والاستئجار. وبحلول الصيف كانت الغواصات الألمانية تتحدى مصالح أميركا من جديد في حرب غير معلنة في المحيط الأطلسي.
بروز الدول العظمى
لقد هزم التحالف الغريب للولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفياتي دول المحور في العام 1945. وتوفرت لدى السوفيات الموارد البشرية والتصميم الضرورية لصد أضخم غزو في التاريخ وسحق القوات المسلحة الألمانية. وعبأت الولايات المتحدة بنجاح مواردها البشرية والاقتصادية الهائلة لتحقيق النصر في أكبر حرب في التاريخ في قارتين. ومع تدهور أوروبا أصبحت هاتان الدولتان الدولتين العظميين في العالم. ولكن الدولتين العظميين مثلتا أيضا نظامين اقتصاديين وسياسيين متعارضين، وأكسب تطوير الجانبين لأسلحة نووية ذات تدمير فوري صراع الحرب الباردة بعدا منذرا بالعنف يشتمل على الفوز أو الخسارة التامين.
وضمن التهديد السوفياتي أن الولايات المتحدة لن تتراجع عن القيام بدور سياسي وعسكري عالمي. وظل دور الاقتصاد حاسما: في واحدة من أعظم المبادرات في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، قدّمت الولايات المتحدة بين العامين 1948 و1951 مساعدات قيمتها 12 بليون دولار للاقتصاديات الأوروبية عن طريق مشروع مارشال. وأعانت الولايات المتحدة دولا كانت في حاجة يائسة وساعدتها على رفض الشيوعية، ولكن النمو الاقتصادي الهائل الذي نجم عن ذلك في أوروبا الغربية عزز أيضا التجارة العالمية، مما جعل هذا العمل السخي استثمارا بارعا أيضا. وشجعت الولايات المتحدة، باعتبارها الحارس الأمين للأسواق العالمية، سياسات التجارة الحرة بصورة عامة لكي تدعمها، مع أن الأميركيين وحكومتهم لم يكونوا محصنين ضد حماية الصناعات المحلية. إلا أن سياسة الحرب الباردة بشكل عام فرضت حياتها الخاصة بها: مع أن الصراع كان يرمي إلى المحافظة على النظام الاقتصادي العالمي، فقد أقام وجودا عسكريا أميركيا عالمي النطاق وما أطلق عليه الرئيس ايزنهاور التكتل العسكري - الصناعي لكي تدعمه. وحدّدت سياسة الاحتواء فيتنام، مثلا، كحجر الدومينو الذي يحدث وقوعه في المعسكر الشرقي وقوع قطع أخرى في جنوب شرقي آسيا. وسعت الولايات المتحدة، بدفع ثمن عال، اقتصاديا وبشريا، لبناء دولة فيتنامية غير شيوعية، ولكن دون أن تحقق أي نجاح.
ووضعت تحديات الحرب الباردة ضغطا اقتصاديا كبيرا جدا على الاتحاد السوفياتي وحلفائه، وفي النهاية لم يستطع النظام الشيوعي توليد الثروة الضرورية لدعم التنافس، ناهيك عن توفير الحقوق الإنسانية السياسية، وبيئة آمنة، ومستوى معيشة معقول، لشعوبه. ومع انهيار الشيوعية في أواخر فترة الثمانينيات من القرن الماضي، برزت الولايات المتحدة كالدولة العظمى الوحيدة، وساد النظام الرأسمالي، مع ازدياد تنظيمه مقارنة بأيام الإقطاعيين اللصوص، ولو أنه لا يخلو من الأخطاء والضحايا. ولم ينتج عن انتهاء ذلك الصراع "نهاية التاريخ" كما ذكر المفكر الاستراتيجي فرانسس فوكوياما، ولكنه أنتج عالما معاصرا تنطوي تعقيداته المتمردة مرة أخرى على تحديات للأميركيين لتحديد مصالحهم السياسية والاقتصادية في سياق عالمي، ولدراسة الماضي لكي يتعاملوا بعقلانية مع الحاضر ويقدّموا رؤيا للمستقبل.
وأعادت "إمبراطورية من دون دموع" إلى الأذهان أيام راحة البال للازدهار الاستعماري بعيدا عن مراقبة بريطانيا. إلا أن الإهمال الحميد لم ينجح في عالم كان المتطرفون في ألمانيا واليابان يطمحون في الهيمنة عليه. وكان الرئيس جورج واشنطن قد حذر الجمهورية الفتية في أواخر القرن الثامن عشر بالابتعاد عن الإمبراطوريات الأوروبية المتحاربة، إلا ان الولايات المتحدة الآن تملك القوة، المتأصلة في القوة الاقتصادية، لضمان عدم تحدي الإمبراطوريات الطموحة لمصالحها العالمية. ورغم الانعزال الطويل الأمد في البلاد، فقد أعلن الرئيس فرانكلين روزفلت أكبر ميزانية دفاع في زمن السلم في شهر كانون الثاني/ يناير 1939. وفي شهر آذار/ مارس 1941، أي قبل أشهر من الهجوم الياباني على بيرل هاربر، تعهدت الولايات المتحدة باستخدام قوتها الاقتصادية لسحق دول المحور في قانون التأجير والاستئجار. وبحلول الصيف كانت الغواصات الألمانية تتحدى مصالح أميركا من جديد في حرب غير معلنة في المحيط الأطلسي.
بروز الدول العظمى
لقد هزم التحالف الغريب للولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفياتي دول المحور في العام 1945. وتوفرت لدى السوفيات الموارد البشرية والتصميم الضرورية لصد أضخم غزو في التاريخ وسحق القوات المسلحة الألمانية. وعبأت الولايات المتحدة بنجاح مواردها البشرية والاقتصادية الهائلة لتحقيق النصر في أكبر حرب في التاريخ في قارتين. ومع تدهور أوروبا أصبحت هاتان الدولتان الدولتين العظميين في العالم. ولكن الدولتين العظميين مثلتا أيضا نظامين اقتصاديين وسياسيين متعارضين، وأكسب تطوير الجانبين لأسلحة نووية ذات تدمير فوري صراع الحرب الباردة بعدا منذرا بالعنف يشتمل على الفوز أو الخسارة التامين.
وضمن التهديد السوفياتي أن الولايات المتحدة لن تتراجع عن القيام بدور سياسي وعسكري عالمي. وظل دور الاقتصاد حاسما: في واحدة من أعظم المبادرات في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، قدّمت الولايات المتحدة بين العامين 1948 و1951 مساعدات قيمتها 12 بليون دولار للاقتصاديات الأوروبية عن طريق مشروع مارشال. وأعانت الولايات المتحدة دولا كانت في حاجة يائسة وساعدتها على رفض الشيوعية، ولكن النمو الاقتصادي الهائل الذي نجم عن ذلك في أوروبا الغربية عزز أيضا التجارة العالمية، مما جعل هذا العمل السخي استثمارا بارعا أيضا. وشجعت الولايات المتحدة، باعتبارها الحارس الأمين للأسواق العالمية، سياسات التجارة الحرة بصورة عامة لكي تدعمها، مع أن الأميركيين وحكومتهم لم يكونوا محصنين ضد حماية الصناعات المحلية. إلا أن سياسة الحرب الباردة بشكل عام فرضت حياتها الخاصة بها: مع أن الصراع كان يرمي إلى المحافظة على النظام الاقتصادي العالمي، فقد أقام وجودا عسكريا أميركيا عالمي النطاق وما أطلق عليه الرئيس ايزنهاور التكتل العسكري - الصناعي لكي تدعمه. وحدّدت سياسة الاحتواء فيتنام، مثلا، كحجر الدومينو الذي يحدث وقوعه في المعسكر الشرقي وقوع قطع أخرى في جنوب شرقي آسيا. وسعت الولايات المتحدة، بدفع ثمن عال، اقتصاديا وبشريا، لبناء دولة فيتنامية غير شيوعية، ولكن دون أن تحقق أي نجاح.
ووضعت تحديات الحرب الباردة ضغطا اقتصاديا كبيرا جدا على الاتحاد السوفياتي وحلفائه، وفي النهاية لم يستطع النظام الشيوعي توليد الثروة الضرورية لدعم التنافس، ناهيك عن توفير الحقوق الإنسانية السياسية، وبيئة آمنة، ومستوى معيشة معقول، لشعوبه. ومع انهيار الشيوعية في أواخر فترة الثمانينيات من القرن الماضي، برزت الولايات المتحدة كالدولة العظمى الوحيدة، وساد النظام الرأسمالي، مع ازدياد تنظيمه مقارنة بأيام الإقطاعيين اللصوص، ولو أنه لا يخلو من الأخطاء والضحايا. ولم ينتج عن انتهاء ذلك الصراع "نهاية التاريخ" كما ذكر المفكر الاستراتيجي فرانسس فوكوياما، ولكنه أنتج عالما معاصرا تنطوي تعقيداته المتمردة مرة أخرى على تحديات للأميركيين لتحديد مصالحهم السياسية والاقتصادية في سياق عالمي، ولدراسة الماضي لكي يتعاملوا بعقلانية مع الحاضر ويقدّموا رؤيا للمستقبل.