فراس
11-22-2006, 07:46 مساء
بسم الله الرحمن الرحيم
أحيانا ما يذكر اسم هرقل أمامنا، فنشعر بأن هذا الاسم يحمل دلالات أسطورية تعبر عن القوة والمقدرة والبطش ، ويرتبط هذا الاسم أيضا بالبعثة النبوية ومراسلات الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بالملوك من حوله .
وعند ذكر هذا الاسم، لابد أن نتعرض لأهم شخصيتين في التاريخ قد تسميا به :
• الشخصية الأولى : شخصية أسطورية منبتها بلاد اليونان القديمة .
• الشخصية الثانية : شخصية حقيقية نجحت في قيادة الإمبراطورية البيزنطية.
ولنتعرض الآن لكل من الشخصيتين..
أولا هرقل الأسطورة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هاجرت إلى بلاد اليونان القديمة في الفترة بين القرنين 14 ، 13 ق.مـ جماعات جديدة على أرض اليونان عرفوا بالآخيين.. وهؤلاء الآخيون كان عصرهم مصدرا خصبا للعديد من القصص والأساطير والخرافات التي أصبحت تعبر فيما بعد عن عصر بأكمله عرف لدى المؤرخين، بعصر الأبطال .
وقد تعرض اليونان المتأخرون فيما بعد بالنقد لتلك القصص والأساطير، و أكد كثير منهم على أن أصل تلك القصص والأساطير حقيقي..
وكان من ضمن هؤلاء الأبطال الذين زينت سيرهم تلك الأساطير، البطل "هرقل"..
الذي تقول فيه الأسطورة..
أن الإله "زيوس" قد اختار إحدى نساء مدينة طيبة (اليونانية) أثناء غياب زوجها -أحد أشراف المدينة- في الحرب، وانفرد بها وانجب منها هرقل Heracles هذا، فتدخلت الإلهة "هيرا" لتحاول قتل هذا الوليد بأن أرسلت إليه حيتين كبيرتين استطاع القضاء عليهما وحده، ليعلن عن قوته منذ صغره..
وتظهر الأساطير أحيانا هرقل جبارا شقيا، يقتل أبناءه في نوبة غضب دون أن يدري..يفتك بأحد الأسود الأسطورية الذي كان يهاجم قطعان أهله.. فيهزمه ويتخذ من جلد هذا الأسد لباسا يواري به جسده بعد ذلك.
إلى جانب هذا..تذكر الأساطير أنه قد شارك في نهب طروادة، وله جولات عديدة في الأرض.. فعاث وخاض في إيطاليا وغالة (= فرنسا) وله إنشاءات هناك، وأقام أعمدة هرقل (=عند مضيق جبل طارق)، وأعد أرض اليونان للسكنى، وما إلى ذلك من البطولات.. وأحيانا ما تجعله الأقدار يقتل أصدقاءه بالصدفة أو نتيجة خطأ ما.. وكثير هرقل ما يظهر معينا للآلهة على المردة والجبابرة.
واتخذه الناس عقب وفاته بطلا و إلها وعبدوه، وادعت بعض القبائل عقب ذلك أنها من نسله.
ونرى مؤرخا كديودور الصقلي يعتقد أن هذا البطل الثقافي العجيب كان مهندسا بدائيا قدم خدماته للناس الذين أكبروه بعد ذلك. فكان بطلا مؤلها لهم..
كان هذا عن هرقل الأسطوري.. ولكن ماذا عن هرقل الحقيقي..؟؟
ثانيا الإمبراطور هرقل :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الإمبراطورية البيزنطية على وشك الانهيار أمام الصراعات الداخلية، والنزاع على الحكم، الذي مهد لمحاولات كسرى الفرس التدخل في الشأن الداخلي البيزنطي، بل زاد الأمر سوءا عندما حاولت قبائل "الآفار" الهمجية محاصرة القسطنطينية، مما دفع أشراف المدينة إلى طلب النجدة من والي إفريقية (= تونس حاليا) لإنقاذ دولتهم..
وهنا.. كان ظهور "هرقل".. الذي كان ابنا لوالي إفريقية الذي يدعى هرقل أيضا، فأرسل الوالد ابنه - الذي سيتحول إلى إمبراطور فيما بعد- إلى القسطنطينية بحرا، إلى جانب إرسال أحد قواده إلى مصر التي ستسقط بيده - ربما - تمهيدا لإسقاط القسطنطينية التي لن تستغني أبدا عن سلة غذائها.. وفي عام 610 مـ أعلن هرقل نفسه إمبراطورا على الامبراطورية عقب قتل منافسه فوقاس والتمثيل بجثته ..
ومنذ أن أعلن هرقل نفسه إمبراطورا، أخذت الأحداث السيئة تنهمر على الإمبراطورية ..
• فقد كانت الفترة من 605 مـ : 613 مـ تشهد تقدما عسكريا ملحوظا للقوات الفارسية، فاقتطعت فارس أجزاء كبيرة من آسيا الصغرى والشام إلى الفرس .. حتى جاءت الفاجعة الكبرى في عام 614 مـ بسقوط "أورشليم = القدس" .. فقتل كثير من المسيحيين، وحرقت العديد من الكنائس، وتم الاستيلاء على "صليب الصلبوت" الذي يعتقد المسيحيون أنه الصليب الذي صلب عليه المسيح عليه السلام ..!
وبلغ التمادي بكسرى أن خاطب هرقل قائلا له : " إنك تقول أنك تعتمد على إلهك، فلماذا إذن لم ينقذ أورشليم من يدي..؟! "
• في عام 616 مـ سقطت الإسكندرية في مصر بيد الفرس.
• ولم يمر عام واحد حتى سقطت مدينة "خلقدونية" التي عقد بها المجمع الديني الشهير المرتبط باسمها، ونهبت ثروات الإمبراطورية.
• ومع عام 619 مـ كانت مصر كلها قد أصبحت في حوزة الفرس، لتنتزع سلة غذاء الإمبراطورية وتحول خيراتها إلى بلاد فارس .
و وسط كل تلك النكبات، كان على "هرقل" أن يعيد الأمور إلى نصابها..
وتم ذلك بالفعل في بضع سنين .
فقام الرجل بالاستعانة بأموال الكنيسة، بعد أن كانت الإعانات قد قطعت عن أهالي الإمبراطورية من قبل، ونجح في التصالح مع الآفار (قبائل متبربرة) تمهيدا للمعركة.. وأقدم الرجل على استغلال تراخي كسرى نتيجة انتصاراته، فقام بعمليات عسكرية داخل أراضي الفرس، ونجح في اختراق مدينة كلورومية مسقط رأس زرادشت.
ورغم أن الفرس قد حاولوا التحالف مع القبائل البربرية لحصار العاصمة، إلا أن القوات البيزنطية نجحت في اختراق الحصار وضربه..واسترداد مدينة خلقدونية.
وكانت تلك الهزائم للفرس سببا في قتل كسرى بن هرمز، الذي تولى ولده من بعده ليتصالح مع هرقل، ويعيد صليب الصلبوت، والكثير من الأراضي المنهوبة، والأسلاب..
وبدأ الزمان في التبسم لهرقل من جديد.. فبدأ الرجل في التفرغ للأمور الدينية المذهبية الخلافية في دولته.
و سرعان ما يظهر الإسلام، ويرسل الرسول محمد عليه الصلاة والسلام إلى هرقل يدعوه للإسلام، ويعقب ذلك مواجهات حربية بدأت مع ختام حياة الرسول الكريم، لتبدأ الدولة المسلمة الجديدة في ضم الأراضي الداخلة في حيازة الدولة البيزنطية، ليشهد هرقل سقوط مصر أثناء سكرات موته في عام 641 مـ نفس عام موته.
واعتبر بعض المؤرخون عصر هرقل فاصلا بين العصور القديمة والوسطى، والبداية الحقيقية للإمبراطورية البيزنطية أو "الرومانية الشرقية"، خصوصا بعد اعتماد اليونانية لغة رسمية للبلاد
أحيانا ما يذكر اسم هرقل أمامنا، فنشعر بأن هذا الاسم يحمل دلالات أسطورية تعبر عن القوة والمقدرة والبطش ، ويرتبط هذا الاسم أيضا بالبعثة النبوية ومراسلات الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بالملوك من حوله .
وعند ذكر هذا الاسم، لابد أن نتعرض لأهم شخصيتين في التاريخ قد تسميا به :
• الشخصية الأولى : شخصية أسطورية منبتها بلاد اليونان القديمة .
• الشخصية الثانية : شخصية حقيقية نجحت في قيادة الإمبراطورية البيزنطية.
ولنتعرض الآن لكل من الشخصيتين..
أولا هرقل الأسطورة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هاجرت إلى بلاد اليونان القديمة في الفترة بين القرنين 14 ، 13 ق.مـ جماعات جديدة على أرض اليونان عرفوا بالآخيين.. وهؤلاء الآخيون كان عصرهم مصدرا خصبا للعديد من القصص والأساطير والخرافات التي أصبحت تعبر فيما بعد عن عصر بأكمله عرف لدى المؤرخين، بعصر الأبطال .
وقد تعرض اليونان المتأخرون فيما بعد بالنقد لتلك القصص والأساطير، و أكد كثير منهم على أن أصل تلك القصص والأساطير حقيقي..
وكان من ضمن هؤلاء الأبطال الذين زينت سيرهم تلك الأساطير، البطل "هرقل"..
الذي تقول فيه الأسطورة..
أن الإله "زيوس" قد اختار إحدى نساء مدينة طيبة (اليونانية) أثناء غياب زوجها -أحد أشراف المدينة- في الحرب، وانفرد بها وانجب منها هرقل Heracles هذا، فتدخلت الإلهة "هيرا" لتحاول قتل هذا الوليد بأن أرسلت إليه حيتين كبيرتين استطاع القضاء عليهما وحده، ليعلن عن قوته منذ صغره..
وتظهر الأساطير أحيانا هرقل جبارا شقيا، يقتل أبناءه في نوبة غضب دون أن يدري..يفتك بأحد الأسود الأسطورية الذي كان يهاجم قطعان أهله.. فيهزمه ويتخذ من جلد هذا الأسد لباسا يواري به جسده بعد ذلك.
إلى جانب هذا..تذكر الأساطير أنه قد شارك في نهب طروادة، وله جولات عديدة في الأرض.. فعاث وخاض في إيطاليا وغالة (= فرنسا) وله إنشاءات هناك، وأقام أعمدة هرقل (=عند مضيق جبل طارق)، وأعد أرض اليونان للسكنى، وما إلى ذلك من البطولات.. وأحيانا ما تجعله الأقدار يقتل أصدقاءه بالصدفة أو نتيجة خطأ ما.. وكثير هرقل ما يظهر معينا للآلهة على المردة والجبابرة.
واتخذه الناس عقب وفاته بطلا و إلها وعبدوه، وادعت بعض القبائل عقب ذلك أنها من نسله.
ونرى مؤرخا كديودور الصقلي يعتقد أن هذا البطل الثقافي العجيب كان مهندسا بدائيا قدم خدماته للناس الذين أكبروه بعد ذلك. فكان بطلا مؤلها لهم..
كان هذا عن هرقل الأسطوري.. ولكن ماذا عن هرقل الحقيقي..؟؟
ثانيا الإمبراطور هرقل :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الإمبراطورية البيزنطية على وشك الانهيار أمام الصراعات الداخلية، والنزاع على الحكم، الذي مهد لمحاولات كسرى الفرس التدخل في الشأن الداخلي البيزنطي، بل زاد الأمر سوءا عندما حاولت قبائل "الآفار" الهمجية محاصرة القسطنطينية، مما دفع أشراف المدينة إلى طلب النجدة من والي إفريقية (= تونس حاليا) لإنقاذ دولتهم..
وهنا.. كان ظهور "هرقل".. الذي كان ابنا لوالي إفريقية الذي يدعى هرقل أيضا، فأرسل الوالد ابنه - الذي سيتحول إلى إمبراطور فيما بعد- إلى القسطنطينية بحرا، إلى جانب إرسال أحد قواده إلى مصر التي ستسقط بيده - ربما - تمهيدا لإسقاط القسطنطينية التي لن تستغني أبدا عن سلة غذائها.. وفي عام 610 مـ أعلن هرقل نفسه إمبراطورا على الامبراطورية عقب قتل منافسه فوقاس والتمثيل بجثته ..
ومنذ أن أعلن هرقل نفسه إمبراطورا، أخذت الأحداث السيئة تنهمر على الإمبراطورية ..
• فقد كانت الفترة من 605 مـ : 613 مـ تشهد تقدما عسكريا ملحوظا للقوات الفارسية، فاقتطعت فارس أجزاء كبيرة من آسيا الصغرى والشام إلى الفرس .. حتى جاءت الفاجعة الكبرى في عام 614 مـ بسقوط "أورشليم = القدس" .. فقتل كثير من المسيحيين، وحرقت العديد من الكنائس، وتم الاستيلاء على "صليب الصلبوت" الذي يعتقد المسيحيون أنه الصليب الذي صلب عليه المسيح عليه السلام ..!
وبلغ التمادي بكسرى أن خاطب هرقل قائلا له : " إنك تقول أنك تعتمد على إلهك، فلماذا إذن لم ينقذ أورشليم من يدي..؟! "
• في عام 616 مـ سقطت الإسكندرية في مصر بيد الفرس.
• ولم يمر عام واحد حتى سقطت مدينة "خلقدونية" التي عقد بها المجمع الديني الشهير المرتبط باسمها، ونهبت ثروات الإمبراطورية.
• ومع عام 619 مـ كانت مصر كلها قد أصبحت في حوزة الفرس، لتنتزع سلة غذاء الإمبراطورية وتحول خيراتها إلى بلاد فارس .
و وسط كل تلك النكبات، كان على "هرقل" أن يعيد الأمور إلى نصابها..
وتم ذلك بالفعل في بضع سنين .
فقام الرجل بالاستعانة بأموال الكنيسة، بعد أن كانت الإعانات قد قطعت عن أهالي الإمبراطورية من قبل، ونجح في التصالح مع الآفار (قبائل متبربرة) تمهيدا للمعركة.. وأقدم الرجل على استغلال تراخي كسرى نتيجة انتصاراته، فقام بعمليات عسكرية داخل أراضي الفرس، ونجح في اختراق مدينة كلورومية مسقط رأس زرادشت.
ورغم أن الفرس قد حاولوا التحالف مع القبائل البربرية لحصار العاصمة، إلا أن القوات البيزنطية نجحت في اختراق الحصار وضربه..واسترداد مدينة خلقدونية.
وكانت تلك الهزائم للفرس سببا في قتل كسرى بن هرمز، الذي تولى ولده من بعده ليتصالح مع هرقل، ويعيد صليب الصلبوت، والكثير من الأراضي المنهوبة، والأسلاب..
وبدأ الزمان في التبسم لهرقل من جديد.. فبدأ الرجل في التفرغ للأمور الدينية المذهبية الخلافية في دولته.
و سرعان ما يظهر الإسلام، ويرسل الرسول محمد عليه الصلاة والسلام إلى هرقل يدعوه للإسلام، ويعقب ذلك مواجهات حربية بدأت مع ختام حياة الرسول الكريم، لتبدأ الدولة المسلمة الجديدة في ضم الأراضي الداخلة في حيازة الدولة البيزنطية، ليشهد هرقل سقوط مصر أثناء سكرات موته في عام 641 مـ نفس عام موته.
واعتبر بعض المؤرخون عصر هرقل فاصلا بين العصور القديمة والوسطى، والبداية الحقيقية للإمبراطورية البيزنطية أو "الرومانية الشرقية"، خصوصا بعد اعتماد اليونانية لغة رسمية للبلاد